مقدمة

مما لا شك فيه أن جائحة كورونا شكلت عبئا على المجتمع والدولة، ومما لا شك فيه أيضا أن تداعياتها شملت كل الميادين خاصة الاقتصادية والاجتماعية، لكن الأكيد أن هذه التداعيات كانت أشد وقعا على الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم، ومردّ ذلك إلى أن هذه الشريحة كانت تعاني على جميع المستويات قبل الجائحة.

هذه الفئة كانت وما تزال تعاني في صمت من الإقصاء والتهميش والحيف من المجتمع، والسياسة الحكومية، وكذا من إكراهات قانونية ومجتمعية.

ورغم المجهودات المبذولة فإنها لا ترقى إلى حجم المعاناة، ومستوى تطلعات الهيئات المدنية العاملة في المجال، وتظل ضئيلة جدا مقارنة مع حجم الحاجيات. هذه الجائحة أبانت عن هذه الاختلالات، وأماطت اللثام عن حجم المعاناة لدى الأشخاص في وضعية إعاقة من خلال التأثيرات الناتجة عن حاله الطوارئ والحجر الصحي التي فاقمت من معاناتهم. فما هي أهم تداعيات الحجر الصحي؟ وكيف يمكن تجاوزها مستقبلا؟

أولا: تداعيات الحجر الصحي على الأشخاص في وضعيه إعاقة وأسرهم

تتعدد التداعيات ومستوياتها، لكن يمكن الحديث هنا عن أمرين أساسيين:

* التداعيات النفسية السلوكية التربوية

من أكثر التداعيات على الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم؛ التداعيات النفسية، حيث تعرضوا  لاستنزاف نفسي بتجليات عدة؛ كاضطراب النوم والقلق وظهور اضطرابات جديدة أو عودة  بعض الاضطرابات التي تم التخلص منها سابقا، خاصة بالنسبة للإعاقات الذهنية وعلى رأسها التوحد، هذا إضافة إلى الشعور بالإهمال والاستبعاد.

أما على المستوى السلوكي؛ فمن أكثر المظاهر التي يشتكي منها الأسر العنف تجاه الذات وتجاه الآخر كرد فعل على واقع جديد كسر الروتين اليومي الذي تعودوا عليه، والذي فرضته ظروف الحجر، وعدم الترخيص بالفسح مع أخد التدابير اللازمة رغم مناشدة المجتمع المدني، خاصة أن هذا الأمر تمت مراعاته في دول أخرى، الشيء الذي شكل ضغطا نفسيا انعكس على المستوى السلوكي.

أما تربويا وتعليميا؛ فيتجلى في:

– فقد بعض المهارات التي اكتسبت سابقا بالنسبة لأطفال التوحد، وهذا يطرح سؤال جودة المادة التعليمية من برامج ومناهج.

– غياب منصات خاصة تستوعب حاجيات ذوي الإعاقة، وكذلك غياب منصات إلكترونية تساهم في تأهيل الأسر.

– عدم توفر الأسر على وسائل وآليات الاشتغال، خاصة مع الأشخاص التوحديين.

– عدم ملاءمة الدروس وتكييفها لتستجيب لحاجيات ذوي الإعاقة، وهذا يطرح سؤال تكافؤ الفرص وتعميم التعليم، ويتناقض مع شعار “لن نترك أحدا خلفنا”، الذي تم رفعه مع انطلاق البرنامج الوطني للتربية الدامجة.

وتجدر الإشارة إلى عدم قدرة العديد من الجمعيات على المواكبة لأسباب مادية تدبيرية تكوينية، خاصة أنها لم تحض بالدعم.

* ضعف الحماية الاجتماعية

الحماية الاجتماعية مطلب أساسي يرتبط بالكرامة الإنسانية، ويتعلق الأمر بضرورة توفير الاحتياجات الأساسية الضامنة للكرامة الإنسانية؛ كالتعليم، والصحة، والمأكل، والملبس، والمسكن، والشغل… هذه النقط كانت محط نقاش وطني أكد مسألة أساسية؛ وهي اعتبار الإعاقة معيارا للاستفادة من الدعم المخصص للأسر خلال الجائحة، لأن المحدد هو الحاجيات وليس فقط الدخل الفردي، فكما هو معلوم الإعاقة تفقر.

والدليل أن الكثير من الأسر أصبح الخبز أولى أولوياتها بدل التربية والتعليم، خاصة حين تقترن الإعاقة بالفقر والهشاشة، للأسف لم يجد هذا المطلب آذان صاغية، وهذا الأمر أيضا مرده إلى عدم إشراك المعنيين وإقصائهم، كما هو الشأن بالنسبة للآلية الوطنية لحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، والتي لم تمثل فيها الإعاقة، وتلك مشكلة أخرى.

بالنسبة للحق في الصحة؛ يمكن الحديث عن التوقف عن الترويض الطبي والمتابعة الطبية وكذا صعوبة توفير  الأدوية وصعوبة الحصول على بعض المواد بالنسبة لبعض الإعاقات، هذا مع استحضار ضعف انخراط هؤلاء في الضمان الاجتماعي ،وكذا استفادة عدد قليل جدا من التغطية الصحية.

يمكن الحديث أيضا عن عدم مراعاة الحماية الصحية للأشخاص في وضعية إعاقة في التحسيس بالجائحة والتعبئة لاتخاذ التدابير اللازمة في مواجهتها، ففي وسائل الإعلام لم يتم اعتماد لغة الإشارة إلا لاحقا، في حين كان الدليل الموجه لأطفال التوحد مثلا بمبادرة مدنية، وكانت هناك مبادرات أخرى.

والسؤال هو كيف يحمي الأشخاص في وضعية إعاقة أنفسهم في غياب حصولهم على المعلومة بالشكل الذي يفهمونه؟

كما سجلنا بروز مشاكل ذات طبيعة أخلاقية برعاية بعض المنابر الإعلامية للأسف؛ من قبيل الترويج للتسول بالإعاقة، وكذا ربط الأطفال وغيرها. ولا زالت بعض المظاهر متفشية؛ كرفض بعض الآباء والأمهات الظهور بوجه مكشوف في مشاهد تحسيسية بالإعاقة، وهذا يعني أننا نحتاج لمزيد من إذكاء الوعي لمحاربة التجارة بالأشخاص في وضعية إعاقة، وحث الأسر على تقبل أبنائها ومواجهة المجتمع، لأن الإعاقة ليست جريمة نخجل منها.

ثانيا: مداخل النهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة

هناك عدة مدخلات للنهوض بوضعية الأشخاص في وضعية إعاقة، يمكن إجمال أهمها في مدخلين.

* المدخل السياسي والقانوني

إذ لا يمكن النهوض بحقوق الأشخاص في وضعيه إعاقه دون الحديث عن تفعيل القوانين، والوفاء بالالتزامات الدولية التي تعهدت بها الدولة من خلال مصادقتها على الاتفاقيات الدولية، وكذا الإسراع بإخراج القوانين التنظيمية إلى حيز الوجود.

ومن الناحية السياسية؛ فإنه لا يمكن الحديث عن إرادة سياسية دون انعكاسها على السياسات العمومية من خلال استحضار بعد الإعاقة بشكل شمولي، بدل السياسات القطاعية التي لن تكون لها أية مردودية، نظرا لتداخل كثير من القطاعات في النهوض بهذه الفئة، خاصة ونحن مقبلين على مناقشة مشروع قانون 72_18 المتعلق بنظام الحماية الاجتماعية، التي تعتبر حجر الزاوية في تأمين كرامة هذه الفئة بمنطق الحق المشروع بدل الرعاية والإحسان.

كما يجب القطع مع سياسة الإمكانيات المتاحة، التي تتكرر في القوانين فتفقدها كل معنى، ويجب التركيز على الحاجيات بدل الإمكانيات.

ويجب أيضا العمل على تغيير التمثلات السلبية حول الإعاقة، من خلال الإعلام والتعليم وغيرها من الوسائل المؤثرة في الرأي العام.

* مدخل التأهيل والتكوين

لابد من تأهيل الأسر باعتبارها الفاعل الأساسي في العملية التربوية التعليمية، وذلك لا يغني عن باقي الفاعلين، ولكن الظرفية أثبتت مركزيتها، وذلك من خلال منصة إلكترونية خاصة، نظرا لكلفة التكوينات الباهظة وأيضا من أجل توسيع دائرة المستفيدين.

وكذلك تسهيل حصولهم على آليات ووسائل الاشتغال مع أبنائهم في ظروف مناسبة.

والإسراع في إخراج المؤازرة داخل الأسر (1) إلى الوجود، لأنها أساسية وليست من الكماليات، وقد أثبتت المرحلة أهمية ذلك.

ومن جهة أخرى يجب تأهيل الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة ودعمها، لأنها تقوم بعمل جبار نيابة عن الحكومة ومؤسسات الدولة، ولأن مجال اشتغالها صعب يتطلب تنوع الإمكانيات والموارد. كما يجب إعادة النظر في العلاقة مع الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة من أجل تعاقد يرضي الطرفين بما يخدم مصلحة الأشخاص في وضعية إعاقة، وإشراكهم في تدبير الملف إشراكا فعليا (تقييم الإعاقة نموذجا (2)).

خاتمة

رغم صعوبة المرحلة إلا أنها لا تخلو من أمور إيجابية؛ أولها انخراط الأسر في مواكبة أبنائهم في غياب بدائل.

ومن الإيجابي أيضا ما أتاحه الفضاء الأزرق من توسيع النقاش حول ملف الإعاقة؛ حيث تابعنا العديد من الندوات التفاعلية المدنية والأكاديمية، بل وحتى بعض الأحزاب الحاضرة الغائبة تناولت هذا الملف بالنقاش في بعض أنشطتها، وتم طرح بعض الأسئلة المرتبطة بالإعاقة في البرلمان.

كما أظهر مؤطرو الجمعيات اجتهادات غير مسبوقة؛ من خلال التواصل المستمر مع الأطفال وأسرهم، الأمر الذي لم يكن متاحا في الأيام السابقة للكثير من الأسر، طبعا مع وجود استثناءات.

وقد استجابت وزارة الأسرة والتضامن لاقتراح إحداث كبسولات إلكترونية موجهة لذوي الإعاقة وأسرهم،

وهو ما كان مطلبا للفاعلين المدنيين، ونتمنى صادقين أن تمثل هذه المظاهر الإيجابية انطلاقة حقيقية للنهوض بهذه الشريحة من المجتمع، وأن يتحقق فعليا شعار “لن نترك أحدا خلفنا” ليصبح واقعا ملموسا وليس مجرد شعار.


(1) تنص المادة 19 من اتفاقية “حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة” الدولية، المعنونة بـ”العيش المستقل والإدماج في المجتمع” على: (ب) إمكانية حصول الأشخاص ذوي الإعاقة على طائفة من خدمات المؤازرة في المنـزل وفي محل الإقامة وغيرها من الخدمات المجتمعية، بما في ذلك المساعدة الشخصية الضرورية لتيسير عيشهم وإدماجهم في المجتمع، ووقايتهم من الانعزال أو الانفصال عنه.

(2) نظام تقييم الإعاقة: ورش أطلقته وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة. عملية لتقييم مدقق للإعاقة بالمغرب، وذلك بهدف إنشاء مرجعية وطنية للتقييم تتلاءم مع مقتضيات الاتفاقية الدولية لحقوق ذوي الإعاقة التي صادق عليها المغرب سنة 2009 ومقتضيات القانون الإطار رقم 97_13.