ليس المولد النبوي الشريف ذكرى عابرة تستدعيها الأيام حين يهلّ ربيع الأول، ثم تنصرف بانصراف المجالس وخفوت الأناشيد؛ وليس صفحة من كتاب التاريخ نقرأها بإجلال، ثم نطويها لنعود إلى واقعنا كما كان: قلوبًا أثقلتها الخصومات، وصفوفًا مزقتها العصبيات، وطاقاتٍ تبددت في صراعاتٍ صغيرة، وأمةً تتطلع إلى النهضة فيما لا تزال عاجزة عن جمع شتات إرادتها.
إن المولد النبوي، في أعمق معانيه، ليس سؤالًا عن الماضي بقدر ما هو سؤال عن الحاضر والمستقبل.
إنه سؤال يضعه مولد سيدنا رسول الله ﷺ، من خلال سيرته وهديه، أمام ضمير كل مسلم:
أين نحن من رحمته حين تقسو القلوب؟ وأين نحن من عدله حين تستبد الأهواء؟ وأين نحن من صدقه حين تصبح المصلحة معيارًا للقول والموقف؟ وأين نحن من أمانته حين تستباح الحقوق؟
وأين نحن من أخوته حين تتقدم العصبيات على رابطة الإيمان والإنسان؟ وأين نحن من شجاعته حين يتراجع الحق أمام الخوف؟ وأين نحن من حكمته حين يتحول الاختلاف من رحمة وسعة إلى خصومة وقطيعة؟
لقد كان ميلاد النبي ﷺ إيذانًا بميلاد جديد للإنسان قبل أن يكون تحولًا في مجرى التاريخ؛ لأن رسالته لم تأتِ لتضيف إلى مسيرة الإنسان طقسًا جديدًا، وإنما جاءت لتعيد الإنسان إلى فطرته، وتحرره من عبودية غير الله، وتزكي قلبه، وتبني عقله، ثم تقيم على أساس ذلك مجتمعًا يقوم على العدل والرحمة والكرامة والأخوة. قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ الأنبياء: 107.
فإذا كان سيدنا محمد ﷺ رحمة للعالمين، فإن الاحتفاء به ينبغي أن يجعلنا أكثر رحمة بالعالمين؛ وإذا كان قد جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فإن أعظم ما يمكن أن نفعله في ذكرى مولده أن نسأل أنفسنا: أي ظلمات ما زالت تسكن فينا؟ وأي نور ما زلنا نحتاج إليه؟
حين يتحول المولد من ذكرى إلى رسالة
ربما كان أكبر خطر يتهدد معنى المولد أن يتحول إلى عادة منفصلة عن المقصد، وإلى احتفال يزداد فيه الكلام عن النبي ﷺ بينما يقل أثر النبي ﷺ في حياتنا.
نعم، نستطيع أن نملأ المجالس بالصلاة والسلام عليه، ثم نظلم ضعيفًا، ونستطيع أن ننشد أرق القصائد في مدحه، ثم نهين إنسانًا لمجرد أنه يختلف معنا، ونستطيع أن نتحدث طويلًا عن أمانته، ثم نخون الأمانة، وأن نتغنى برحمته، ثم نقسو على أهلنا وجيراننا ومخالفينا، وأن نتحدث عن عدله، ثم نبرر الظلم إذا صدر عن شخص نحبه أو حاكم نهابه أو حزب أو قبيلة ننتمي إليها، وأن نرفع راية الأخوة، ثم نحول الخلاف السياسي أو الفكري أو المذهبي إلى حرب قلوب.
وهنا يصبح المولد مرآةً لا مناسبة فقط، فكلما ازداد حديثنا عن رسول الله ﷺ، ينبغي أن يزداد سؤالنا عن مقدار حضوره في سلوكنا.
إن القرآن الكريم لا يقدم النبي ﷺ باعتباره شخصية للتقديس المجرد، وإنما باعتباره قدوة وأسوة: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا الأحزاب: 21.
والأسوة أعمق من الذكرى؛ فالذكرى تعيدنا إلى الماضي، أما الأسوة فتحمل الماضي الحي إلى الحاضر.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحب رسول الله ﷺ؟ وإنما: كيف تظهر محبتنا له؟
المحبة النبوية: من حرارة الوجدان إلى صدق الاتباع
إن محبة رسول الله ﷺ من أجلِّ معاني الإيمان، فقد قال ﷺ: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين” رواه البخاري ومسلم.
لكن المحبة التي لا تغيّر صاحبها تبقى دعوى تحتاج إلى برهان، وقد جعل القرآن برهان المحبة الاتباع: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ آل عمران: 31.
فالمحبة النبوية ليست قصيدة فحسب، وإن كانت القصيدة الجميلة قد تكون لسان القلب؛ وليست دمعة شوق فحسب، وإن كانت الدمعة الصادقة من أجمل ما في المحبة؛ وإنما هي قبل ذلك وبعده اتباع.
أن تحب محمدًا ﷺ يعني أن يصبح الصدق محبوبًا إليك، وأن تصبح الأمانة خلقًا لا شعارًا، والرحمة سلوكًا لا خطابًا، والعدل موقفًا لا خطبة، والعفو قوةً لا ضعفًا، والتواضع رفعةً لا هزيمة، وخدمة الناس عبادةً لا تفضلًا.
لقد قال ﷺ: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” رواه الترمذي.
وهنا تتجلى عظمة المنهج النبوي: فالأخلاق لا تُختبر حيث التصفيق، وإنما حيث الحياة اليومية؛ في البيت، وفي السوق، وفي الخصومة، وفي لحظة الغضب، وحين تتعارض المصلحة الشخصية مع الحق.
فما قيمة أن تكون لغتنا في مدح النبي ﷺ عالية، وأخلاقنا في التعامل مع خلق الله منخفضة؟ وما قيمة أن نملأ المساجد بالمدائح إذا خرجنا منها أكثر قسوة؟ وما قيمة أن نحتفل بمولد الرحمة إذا لم تصبح بيوتنا أكثر رحمة؟
النبي المربي ﷺ وبناء الإنسان
لم تكن رسالة الإسلام مشروعًا لتكديس المعلومات، وإنما كانت مشروعًا لبناء الإنسان.
ولهذا كان القرآن ينقل الإنسان من عبودية الشهوة إلى عبودية الله، ومن الفوضى الداخلية إلى السكينة، ومن الأنانية إلى المسؤولية، ومن العصبية إلى الأخوة.
إن أزمة الإنسان ليست دائمًا في قلة المعرفة- وإن كانت للمعرفة مكانتها المرموقة- فقد يعرف المرء الحق ولا يفعله، ويعرف الخير ولا يختاره، ويدرك خطأ الظلم ثم يظلم.
إنها أزمة قلب وإرادة وتزكية، ومن هنا كان قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَاالشمس: 9-10.
فالتغيير الذي لا يبدأ من أعماق الإنسان يظل تغييرًا هشًا. والمجتمع الذي يريد أن يغير قوانينه دون أن يغير أخلاق أفراده قد يبدل النصوص ولا يبدل الواقع، وقد يصبح حراس النصوص لصوصا.
والأمة التي تبحث عن القوة وهي لا تزال أسيرة الأنانية وحب الظهور والتعصب والفساد لا تكون قد بدأت النهضة، وإنما بدأت في البحث عن أدوات جديدة لمشكلاتها القديمة.
لقد كان رسول الله ﷺ يبني الرجال والنساء قبل أن يبني الدولة، ويصنع القلوب قبل المؤسسات، ويؤسس للمعنى قبل المظهر.
فصنع أبا بكر رضي الله عنه، الذي جسد الصدق والبذل. وصنع عمر رضي الله عنه، الذي صار العدل في سيرته معنى حيًا. وصنع عثمان رضي الله عنه، الذي كان الحياء والبذل من أبرز خصاله. وصنع عليًا رضي الله عنه، الذي اجتمع فيه العلم والشجاعة ونبل النفس. وصنع وحول رجالا من عبيد للشهوات وللماديات إلى أسياد في الدنيا ومنارات.
ولم يكن أولئك الصحابة العظام نسخًا متشابهة؛ بل كانوا شخصيات متعددة المواهب والطباع، جمع بينها الإيمان والرسالة والأخوة.
وهنا تكمن إحدى أعظم أسرار البناء النبوي: لم يصنع النبي ﷺ أفرادًا متطابقين، وإنما صنع قلوبًا متآلفة وطاقات متكاملة.
التربية: البداية التي لا يمكن تجاوزها
إذا أردنا أن نفهم المولد النبوي في ضوء سؤال النهضة، فعلينا أن نعيد الاعتبار إلى التربية.
فالأمة التي تريد تغيير واقعها دون تغيير الإنسان الذي يصنع ذلك الواقع تشبه من يريد أن يحصد أرضًا لم يزرعها.
وقد جعل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله التربية في قلب مشروعه الفكري والعملي، وربط بين التربية والتنظيم والعمل الجماعي في كتابه المنهاج النبوي: تربية وتنظيمًا وزحفًا.
ومهما اختلف الناس في تقييم مشروعه الفكري أو السياسي، فإن تأكيده على مركزية التربية في أي مشروع للتغيير يطرح سؤالًا جديرًا بالتأمل:
كيف يمكن أن نبني مؤسسات قوية بأناس لم يتربوا على المسؤولية؟ وكيف نطلب نزاهة الإدارة من إنسان لم يتربَّ على الأمانة؟ وكيف نطلب من السياسي أن يقدم المصلحة العامة إذا كان قلبه أسيرًا لشهوة النفوذ؟ وكيف نطلب من العالم أن يقول كلمة الحق إذا كان يخاف على مكانته؟ وكيف نطلب من المواطن أن يحترم القانون إذا كان يرى التحايل عليه ذكاءً؟
إن التربية النبوية لا تصنع إنسانًا صالحًا في المسجد فقط، وإنما تصنع إنسانًا صالحًا حيثما كان.
من الفرد الصالح إلى الأمة الصالحة
ليست النهضة مجموع أفراد صالحين فحسب؛ كما أن صلاح المجتمع لا ينتج تلقائيًا من كثرة الواعظين.
هناك انتقال ضروري من صلاح الفرد إلى أخلاق الجماعة، ومن أخلاق الجماعة إلى عدالة المؤسسات.
ولهذا فإن سؤال المولد لا ينبغي أن يبقى في دائرة الفرد وحده. نعم، نحتاج إلى تزكية النفس. لكننا نحتاج أيضًا إلى أخلاق عامة. نحتاج إلى ثقافة تحترم القانون. وإلى مؤسسات تحمي الحقوق. وإلى تعليم يبني العقل ويحرر الإرادة. وإلى اقتصاد يحفظ كرامة الإنسان. وإلى سياسة تتطهر من الاستبداد والفساد. وإلى إعلام لا يجعل الكراهية تجارة.
فالإسلام لم يأت ليصنع عابدًا منعزلًا عن آلام الناس، وإنما جاء ليصنع الإنسان الذي يعبد الله ويعمر الأرض ويقيم العدل.
المولد النبوي وسؤال الوحدة
ما أحوج الأمة اليوم إلى أن تقرأ السيرة بعين الجرح!
فالأمة واسعة الأرض، عظيمة الموارد، غنية بالطاقات والكفاءات، لكنها في كثير من مواطنها تعاني ضعف الإرادة المشتركة، وتمزق الصفوف، واستنزاف الطاقات في الصراعات الداخلية.
وفي هذا الواقع يعود المولد ليطرح سؤال الوحدة: كيف بنى سيدنا محمد ﷺ الأمة؟
لم يبنها بإلغاء التنوع، ولم يجعل الصحابة نسخًا متطابقة، ولم يطلب من الناس أن يتخلوا عن مواهبهم وشخصياتهم. بل نقل الاختلاف من التنازع إلى التكامل، وربط القلوب بعروة أعمق من العصبيات، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ الحجرات: 10، وقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا آل عمران: 103.
وقال النبي ﷺ: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا” رواه البخاري ومسلم.
إن الاختلاف سنة بشرية، لكن تحويل الاختلاف إلى كراهية ليس قدرًا. والتنوع حقيقة، لكن تحويل التنوع إلى عصبية ليس ضرورة.
والتعدد السياسي والفكري يمكن أن يكون مصدر ثراء، لكنه يتحول إلى كارثة حين يصبح كل طرف مقتنعًا بأنه يمتلك الحقيقة كاملة، وأن المختلف معه لا يستحق إلا الإقصاء.
ومن أخطر ما يمكن أن نفعله باسم الإسلام أن نجعل الإسلام نفسه سببًا لتمزيق المسلمين. فإذا تحول الخلاف الفقهي إلى قطيعة، خسرنا سعة الفقه. وإذا تحول الاختلاف الفكري إلى تخوين، خسرنا أدب الحوار. وإذا تحول التنافس السياسي إلى كراهية، خسرنا معنى الشأن العام. وإذا أصبح الحزب أو القبيلة أهم من الأمة، تحولت الوسيلة إلى غاية.
إن الأمة التي أسسها النبي ﷺ لم تكن أمة إلغاء، بل أمة توحيد للوجهة وتنوع في المواهب.
فقه الاختلاف: كيف نختلف دون أن نتباغض؟
لقد عرفت الحضارة الإسلامية اختلافات واسعة في الفقه والفكر والسياسة، لكنها أنتجت في مراحل ازدهارها تقاليد علمية وحوارية جعلت الاختلاف ممكنًا دون أن يتحول دائمًا إلى قطيعة.
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله، في العبارة المشهورة المنسوبة إليه: “قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب”.
ومهما كان اختلاف الباحثين في توثيق بعض صيغ هذه العبارة ونسبتها الدقيقة، فإن معناها يعبّر عن روح راسخة في أدب العلماء: التواضع أمام الحقيقة.
وهذا من أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم.
أن نعرف أن الإنسان قد يملك جزءًا من الحقيقة، وأن الحكمة لا تسكن في جماعة واحدة، وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة العداوة.
إننا لا نحتاج إلى أمة بلا اختلاف؛ وإنما نحتاج إلى أمة تستطيع أن تختلف بأخلاق النبوة.
السياسة لب الدين وجوهره
السيرة النبوية ليست سيرة فرد منعزل عن المجتمع.
لقد انتقل رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، ومن بناء الإنسان إلى بناء المجتمع، ومن الدعوة إلى تنظيم العلاقات والعهود والحقوق والمسؤوليات.
ولهذا فإن استلهام السيرة في الشأن العام ليس خروجًا عن روحها، بشرط ألا نحول التجربة النبوية إلى قوالب جامدة، وألا نخلط بين الثابت الديني والمتغير التاريخي.
السياسة في المنظور الأخلاقي النبوي ليست فن الوصول إلى السلطة بأي ثمن، وليست إدارة الخوف،
وليست صناعة الولاءات الشخصية، وليست تحويل الدين إلى أداة لتقديس الأشخاص. السياسة أمانة،
والحكم مسؤولية، والمال العام حق للأمة، والمنصب تكليف لا تشريف.
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ النساء: 58. وقال ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” رواه البخاري ومسلم.
وهنا تتوزع المسؤولية على الجميع: فالحاكم مسؤول ومحاسب، والعالم مسؤول، والداعية مسؤول، والسياسي مسؤول، والحزب مسؤول، والمواطن مسؤول، وكل واحد منا يحمل قدرًا من الأمانة بقدر ما أوتي من قدرة وتأثير.
إن السياسة التي تستلهم النبوة هي السياسة حين تتحرر من شهوة الغلبة وتعود إلى معنى الأمانة.
العدل: حين يصبح الدين حياة عامة
ليس العدل قيمة سياسية فقط، وإنما هو عبادة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْالنساء: 135.
إن أعمق اختبار للتدين ليس كيف نعامل من يحبوننا، وإنما كيف نعامل من يختلفون معنا.
هل نعدل مع الخصم؟ هل نقول الحق ولو على أنفسنا؟ هل نرفض الظلم ولو صدر ممن ننتمي إليهم؟
هل ننتصر للحق أم ننتصر للنفس والهوى؟
هنا تظهر حقيقة الإيمان، وقد لخّص ابن خلدون العلاقة بين الظلم وفساد العمران في عبارته الشهيرة: الظلم مؤذن بخراب العمران.
فالظلم لا يسلب المظلوم حقه فحسب؛ إنه يقتل الثقة، ويهدم الإنتاج، ويفسد العلاقات، ويزرع الخوف، ويحوّل المجتمع إلى أفراد يبحث كل واحد منهم عن النجاة بنفسه.
وهكذا يصبح العدل ليس فضيلة أخلاقية فقط، وإنما شرطًا من شروط العمران.
ميلاد سيدنا محمد ﷺ وميلاد الأمل
لقد جاء رسول الله ﷺ إلى عالم مثقل بالجاهلية، فلم يستسلم لثقل الواقع، بدأ من الممكن، بدأ من الإنسان، ومن العقيدة، ومن الكلمة، ومن التربية، بدار الأرقم في مكة وبالمسجد في المدينة، ومن بناء الجماعة، ثم سار وفق السنن.
وهذه واحدة من أعظم رسائل الأمل التي تحملها السيرة، إن الأمة التي أثقلتها الهزائم ليست أمة ميتة، والشعوب التي عانت طويلًا ليست محكومة بالعجز، والواقع مهما اشتد ليس قدرًا أبديًا، لكن الأمل ليس أمنية، والنهضة ليست غضبًا، والتغيير ليس انفجارًا عاطفيًا.
إنها عملية طويلة من الوعي والتربية والعمل والتنظيم والصبر والتراكم.
وهنا نستعيد بعض ما أكده مالك بن نبي في تحليله لمشكلة الحضارة: إن النهضة لا تُختزل في امتلاك الأشياء، وإنما تبدأ من الإنسان ومن الفكرة ومن القدرة على تحويل القيم إلى فعل حضاري.
إن الأمة قد تمتلك الأرض ولا تمتلك الإرادة. وقد تمتلك الثروة ولا تمتلك حسن التدبير. وقد تمتلك المعرفة ولا تمتلك الحكمة. وقد تمتلك العدد ولا تمتلك الوحدة.
ومن هنا فإن سؤال النهضة يعود بنا مرة أخرى إلى سؤال المولد: أي إنسان نحتاج؟
من نور النبوة إلى نهضة الأمة
إن أعظم ما يمكن أن تقدمه السيرة للأمة اليوم هو استعادة الصلة بين الإيمان والعمران. فالإيمان الذي لا يثمر خلقًا ناقص، والخلق الذي لا يتحول إلى مسؤولية عامة محدود الأثر، والعمل العام الذي لا يقوم على الأخلاق قابل للفساد، والنهضة التي لا تحفظ كرامة الإنسان ليست نهضة حقيقية.
ومن هنا فإننا بحاجة إلى مشروع متكامل: إيمان يحرر الإنسان، وتربية تزكيه، وعلم ينير عقله، وأخلاق تضبط سلوكه، وعمل يحقق رسالته، ومؤسسات تحمي الحقوق، وعدل يصون المجتمع، وشورى تمنع الاستبداد، ووحدة تجمع الطاقات.
هذه هي النهضة التي يمكن أن نستمد روحها من السيرة النبوية.
المولد الذي نريده
نريد مولدًا لا يكتفي بإضاءة المصابيح، بل يضيء العقول. ولا يكتفي بالمدائح، بل يوقظ الضمائر.
ولا يكتفي بإحياء الذاكرة، بل يحيي الإرادة. ولا يكتفي بتزيين المساجد، بل يعيد بناء الإنسان.
نريد مولدًا يدخل منه الشاب إلى مدرسة سيدنا محمد ﷺ فيخرج أكثر علمًا ورحمةً وعفةً وشجاعةً وخدمةً للناس. ويدخل منه الأب فيخرج أكثر رفقًا بأسرته. وتدخل منه الأم فتخرج أكثر صبرًا واحتسابًا. ويدخل منه العالم فيخرج أكثر تواضعًا وأمانة. ويدخل منه السياسي فيخرج أكثر خوفًا من الله وحرصًا على حقوق الناس. ويدخل منه الغني فيخرج أكثر بذلًا. ويدخل منه الفقير فيخرج أكثر أملًا وكرامة. ويدخل منه المختلف معنا فيخرج أخًا لا عدوًا.
ذلك هو المولد الذي تحتاجه الأمة.
خاتمة: حين يتحول حب سيدنا محمد ﷺ إلى مشروع حياة
إن أعظم احتفال بمحمد ﷺ أن يصبح شيء من خلقه خلقنا، ورحمته رحمتنا، وعدله عدلنا، وصدقه صدقنا، وأمانته أمانتنا، وحكمته حكمتنا.
أن نكتشف أن حب النبي ﷺ ليس موسمًا ينتهي بانتهاء ربيع الأول، وإنما عهد يتجدد كل يوم. أن يموت فينا الكبر ويولد التواضع. أن يموت الحقد وتولد الرحمة. أن يموت التعصب وتولد الأخوة. أن يموت اليأس ويولد الأمل. أن يموت الاستسلام للظلم وتولد إرادة الإصلاح. أن يموت حب الذات وتولد روح البذل. أن يموت الكذب ويولد الصدق. أن يموت الاستغلال وتولد الأمانة.
ذلك هو المولد الحقيقي.
لقد أضاء سيدنا وحبيبنا محمد ﷺ ظلمة التاريخ بنور الوحي، وليس المطلوب منا أن نحرس ذكرى ذلك النور فحسب، وإنما أن نحمل منه ما نستطيع إلى زماننا وإلى أمم أمثالنا.
قال تعالى: قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ المائدة: 15-16.
فيا أمة سيدنا محمد ﷺ، إن حاجتنا إليه اليوم ليست حاجة قوم إلى ذكرى بعيدة، وإنما حاجة إنسان إلى قدوة، وأمة إلى منهاج، وحضارة إلى روح، وقلوب إلى رحمة، ومجتمع إلى عدل.
فلنصل عليه حبًا. ولنتبعه صدقًا ولنقرأ سيرته وعيًا. ولنعش سنته خلقًا. ولنجعل من أخوته طريقًا إلى الوحدة. ومن عدله طريقًا إلى العمران. ومن رحمته طريقًا إلى الإنسان. ومن حكمته طريقًا إلى الرشد. ومن رسالته طريقًا إلى النهضة.
فإذا عادت الرحمة إلى القلوب، والعدل إلى المجتمع، والشورى إلى الشأن العام، والأخوة إلى الصفوف، والعلم إلى العقول، والعمل إلى الأيدي، والصدق إلى الضمائر؛ أدركنا أن ذكرى المولد لم تكن احتفالًا بالماضي فحسب، وإنما كانت بشارةً بإمكان المستقبل.
وحينئذ لا يكون السؤال: متى وُلد سيدنا محمد ﷺ؟ بل يصبح السؤال الأعمق: متى يولد سيدنا محمد ﷺ فينا؟ متى تولد رحمته في بيوتنا؟ ومتى يولد عدله في مؤسساتنا؟ ومتى تولد أمانته في معاملتنا؟ ومتى تولد أخوته في صفوفنا؟ ومتى يولد علمه في عقولنا؟ ومتى تولد شجاعته في مواقفنا؟ ومتى يولد حلمه في اختلافاتنا؟ ومتى يولد أمله في نفوس أمتنا؟
إن المولد الذي نحتاجه هو ذلك الذي لا ينتهي بانتهاء المناسبة؛ بل مولدٌ يولد فيه الإنسان من جديد، وتستيقظ فيه الأمة من غفلتها، ويتحول فيه الحب من عاطفة إلى عهد، ومن عهد إلى عمل، ومن عمل إلى بناء. فإذا حدث ذلك، لم يعد المولد احتفالًا بالماضي. بل أصبح ميلادًا للمستقبل.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم، الآيات الواردة في المقال، مع إحالات السور والآيات في مواضعها.
- البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ولا سيما أحاديث الأخوة والمسؤولية، وكتاب الأدب والمظالم.
- مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، ومنه حديث: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه…”.
- الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، كتاب المناقب، حديث “خيركم خيركم لأهله”.
- ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، دار إحياء التراث العربي.
- ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، ولا سيما مباحث الظلم والعمران والعصبية والدولة.
- مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر.
- عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي: تربية وتنظيمًا وزحفًا.
- محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، للاستئناس بمباحث المقاصد والعمران والمصلحة.
- محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، للاستفادة من القراءة المقاصدية والتربوية للسيرة.
