اعتبر الدكتور علي تيزنت عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان أن الاعتكاف، في جوهره، “ليس مقامًا يطوى بانقضاء أيامه، ولا موسمًا ينتهي بانتهاء ساعاته، وإنما هو ميلادٌ جديد للقلب، وتجديدٌ للعهد مع الله، وانتقالٌ من العكوف على ما سواه إلى العكوف عليه سبحانه”. مشددا على أنه ليس المقصود بالاعتكاف أولًا عكوف الجسد في مواطن الاعتكاف، وإنما “انعتاق القلب من كل عكوف ينازع توجه القصد إلى الله وانجماع القلب على الله. فما أكثر ما تتحطم الأصنام في ظاهر الأرض، وتظل قائمة في باطن النفوس، وما أكثر ما يغادر الإنسان ضجيج الدنيا، بينما الدنيا لم تغادر قلبه”.
الأستاذ تيزنت، وفي كلمة التي ألقاها في ختام أحد الرباطات التربوية التي نظمتها جماعة العدل والإحسان هذا الصيف، نبّه إلى أن من أعظم ما تحتاج إليه الأمة اليوم، وهي تتقاذفها أمواج الفتن، وتتنازعها عوامل الوهن والتفرق، أن “تستعيد روح الاعتكاف قبل أن تستعيد صورته؛ لأن الاعتكاف في جوهره ليس انقطاعًا عن حركة الحياة، وإنما رجوعٌ إلى المنابع التي تُصنع فيها القلوب، وتُربى فيها الأرواح، وتُبنى منها الرجال”، منوها إلى حاجة الأمة إلى هذه الروح إذ “لا سبيل إلى تجديد أمرها إلا بتجديد الإنسان الذي يحمل أمانتها، ولا يتجدد الإنسان إلا إذا عاد إلى أسباب حياته الإيمانية، واستمسك بالخصال التي بها يقوم البناء الإحساني وتستقيم معالم السلوك”.
فيما يلي النص الكامل للكلمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الرحمات، وبذكره تحيا القلوب بعد موات،
نحمده سبحانه حمد الشاكرين، ونستعينه استعانة المفتقرين، ونستغفره استغفار المنيبين، ونسأله أن يجعلنا من عباده المقربين، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، وعلى آل بيته الأطهار الطيبين وأصحابه الأخيار المجاهدين وعلى من اقتفى دربهم وسار على نهجهم القويم، اللهم اجعلنا على منهاجهم سائرين، وأدرجنا في سلكهم واكتبنا من زمرتهم وأدخلنا برحمته في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأحبة…
إن من تمام شكر نعمة الله أن نذكرها ونذكّر بها، وأن نستحضر من كان سببًا في تيسيرها. ومن هنا، فإن أول ما نفتتح به هذا اللقاء المبارك أن نتوجه بخالص الدعاء وصادق الوفاء لإمامنا وحبيبنا سيدي عبد السلام ياسين الذي أحيا في الأمة بواعث َالتشوف إلى ذرى الاحسان وجدد في أمره دينها معاقدَ الوصل بين عزة الدنيا وكمال الدين، فكان أن أَشْربَ أرواحَنا سقاء معرفة الله وبث في نفوسنا حقيقة أن نكون قوامين لله شهداء بالقسط إلى أن يأتينا اليقين فجزاه الله خيرا بما ربى واحتضن وبما وجه وعلّم وبما واسى وصبر وحَلَم.
يليق بنا في هذا المقام أن نتوجّه بجزيل الشكر وصادق الدعاء لكل من بذل من وقته وجهده، حتى تهيّأ لنا هذا الاعتكاف في أحسن حال.
ونخصّ بالذكر إخواننا في طاقم الخدمة، الذين آثروا أن تكون راحتُنا من تعبهم، وفراغُنا للعبادة من انشغالهم، فبذلوا وأعانوا، وصبروا واحتسبوا، وقاموا على شؤون إخوانهم في هدوءٍ وإخلاص. وما أكرمَ مقامًا يُختار فيه المرء لخدمة إخوانه، ولا أرفعَ منزلةً من سيادةٍ يكون طريقها البذل، وشرفُها قضاءُ الحوائج، وأثرُها راحةُ الآخرين. فإنما تُعرف معالي النفوس بما تبذل، ويعلو قدر المرء بقدر ما يحمل عن غيره. جزاهم الله عنا خير الجزاء، وكتب لهم أجر كل مشقةٍ احتملوها، وكل راحةٍ هيّؤوها، وكل طاعةٍ أعانوا عليها.
والشكر موصول لإخواننا في فريق التأطير، الذين حملوا همَّ الاعداد والتوجيه وحسن الإبانة والتوضيح، يرجون أن يكون هذا اللقاء زادًا للسائرين إلى الله، ومحطة لتجديد الإيمان، وإحياء معاني الإحسان.
والشكر موصول كذلك إلى أخينا ضابط برنامج الاعتكاف، الذي اجتهد في إحكام البرنامج، وحسن ترتيب الأوقات، إيمانًا بأن الوقت وعاء الأعمال، وأن من لم يحسن إدارة ساعاته، عسر عليه أن يحسن السير إلى مولاه.
كما نتوجه بالشكر إلى فريق الإعداد والتنظيم، وإلى كل من ساهم بفكر، أو جهد، أو دعاء، أو بذل أو عطاء، منهم من نرى ومن نعلم وآخرين منهم لا نعلمهم الله يعلمهم. نسأل الله أن يجعل أعمالنا كلها خالصًة لوجهه الكريم، وأن يجزي الجميع الجزاء العميم.
أيها الأحبة…
ما أغلى أن يهب الله لعبده فسحةً من العمر، يختصه فيها بلذيذ مناجاته، ويهيئ له سبيلًا يقربه من حضرته، ويؤويه إلى مواطن رحمته، بعد أن أضناه السير في دروب الدنيا، وأثقلت قلبَه شواغُلها. وما أعظمها من منة أن يختارك الله لموسم من مواسم فضله، لا لتزداد به أيامًا في العمر، وإنما لتزداد به حياةً في القلب، ونورًا في البصيرة، وصدقًا في العهد، وقوةً على مواصلة السير إليه.
قد يقول قائل لم الاعتكاف في البيوت والانقطاع عن الدنيا في زمن تمور فيه الأرض بالمسلمين مورا وتتكالب الأعداء عليهم من كل حدب وصوب، لم الاعتكاف وفلسطين الجريحة قد جف دمها وغزة الموجوعة تزف كل يوم شهداءها… هنالك وابتلي المومنون وزلزلوا زلزالا شديدا.
والحقيقة أيها الأحباب أن هذه الأيام التي نقضيها في نفحات الذكر ومجالس التذكير والمذاكرة وبين أنفاس الصحبة والمحبة والصفاء، ليست انشغالًا بالنفس عن الأمة، وإنما إعدادٌ للنفس من أجل الأمة. وليست خلوةً تُبعدنا عن الناس، وإنما تربيةٌ على الخلوة في الجلوة؛ حتى تظل القلوب مع الله وهي بين الناس، وتحمل همَّ الأمة وهي أشد ما تكون اجتماعًا على ربها.
فالله سبحانه إذا أراد أن يجدد أمر أمة، ابتدأ أحبابه بتجديد القلوب التي تحمل رسالته إلى الناس، وإذا أراد أن ينهض بأمة، هيأ لها رجالًا عرفوه، فصدقوا معه، ففتح بهم مغاليق القلوب وجبر به انكسارات التاريخ.
ولذلك فإن أجلى ما نرتجي منه سبحانه بين يدي هذه النفحات الزكية الندية أن يستعملنا ولا يستبدلنا ويجري على أيدينا قدره العظيم ووعده المبين، ويجعلها أوعيةً لنوره، وأسبابًا لعزة أمة حبيبه، وسببا لإعلاء كلمته ومقدمة في مستقبل دينه.
في هذه الأجواء الفوّاحة التي تملأ أرجاء هذا المكان والمعاني الغامرة التي ترشح بها أركان هذا الاعتكاف، ارتأيت أن التفت في حضرتكم إلى أحدى المعاني اللطيفة والإشارات الخفيفة التي يحملها هذا اللفظ القرآني نستقيها من قوله تعالى على لسان خليله ومجتباه أبينا إبراهيم عليه السلام قال مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ.
لعل من أعجب ما في هذا السؤال القرآني أنه لم يبدأ بإنكار التماثيل، وإنما بدأ بكشف حقيقة العكوف عليها؛ فكأن العلة لم تكن في الحجر، وإنما في القلب الذي أقام عند الحجر، وسكن إليه، ومنحه من معاني التعظيم والانشغال ما لا يليق إلا بالله.
وهنا تنكشف دلالة الاعتكاف في أفقها الإحساني العميق؛ فليس المقصود أولًا عكوف الجسد في مواطن الاعتكاف، وإنما انعتاق القلب من كل عكوف ينازع توجه القصد إلى الله وانجماع القلب على الله. فما أكثر ما تتحطم الأصنام في ظاهر الأرض، وتظل قائمة في باطن النفوس، وما أكثر ما يغادر الإنسان ضجيج الدنيا، بينما الدنيا لم تغادر قلبه.
ولذلك كان الاعتكاف سؤالًا عن وجهة القلب قبل أن يكون سؤالًا عن مكان الجسد، وسؤالًا عن المقصود قبل أن يكون سؤالًا عن القاصد. فالقلب الذي لم يتحرر من أوثانه الخفية، لا تزيده الخلوة إلا خلوةً بالهواجس والنزغات، أما القلب الذي كتب الله له صدق الإقبال، فإنه يجد في الاعتكاف ميلادًا جديدًا، وكأنما يعود إلى فطرته الأولى، يوم لم يكن له مقصد إلا الله.
ولعل أخطر ما يهدد المسير إلى الله أن تتحول التربية إلى عادة، وأن تصبح الأعمال الصالحة رسومًا تؤدى، بعد أن كانت أشواقًا تُعاش، وأن تستمر الحركة بينما يفتر القلب، وأن يبقى الجهد ظاهرًا بينما تخبو جذوة المعنى في الداخل. وحينئذٍ لا يكون الخلل في كثرة الأعمال أو قلتها، وإنما في ضعف الروح التي تبعث فيها الحياة.
ومن هنا كانت الحاجة إلى تجديد الهبة الإحسانية حاجةً تتجدد بتجدد الأنفاس، لا لأنها لحظة عابرة في بداية الطريق، بل لأنها سر السلوك إلى الله وزاده. فما دامت القلوب معرضة للغفلة، وما دام الزمن يورث الألفة، وما دامت النفس تميل إلى الركون، بقي الافتقار إلى نفحة من الله هو أعظم ما يرجوه السائرون.
إن الهبة الإحسانية ليست ثمرة استحقاق، وإنما فضلٌ محض، يكرم الله به من صدق في الافتقار إليه، ومن علم أن الطريق إليه لا يقطع بقوة النفس، وإنما بقوة التعلق به سبحانه. وإذا جدد الله هذه الهبة في قلب عبد، عادت المعاني التي أكلتها العادة نضرةً كما كانت، واستعاد الذكر حرارته، والدعاء صدقه، والصحبة معناها، والجهاد روحه، وصار السير إلى الله انتقالًا دائمًا من مقام إلى مقام، ومن محبة إلى محبة، ومن حضور إلى حضور.
ولعل هذا هو السر في أن مواسم الاعتكاف ليست انقطاعًا عن الحياة، وإنما عودة إلى منبعها الأول؛ حيث يسترد القلب صفاءه، وتستعيد الروح عهدها، ويتهيأ الإنسان ليعود إلى مجريات الأيام وهو يحمل من نور الخلوة ما يعينه على عمارة الجلوة، ومن قوة الصلة بالله ما يجعله أقدر على حمل هم الأمة، والصبر على أثقال الدعوة، والثبات في زمن تتكاثر فيه الفتن، وتشتد فيه غربة المعنى.
وما أحوج الأمة اليوم، وهي تعيش ما تعيشه من انكسارات وآلام، وما يجري في غزة شاهدٌ على عمق الجراح، إلى قلوب لم تنكسر صلتها بالله، لأن تجديد التاريخ يبدأ دائمًا من تجديد الإنسان، وتجديد الإنسان يبدأ من تجديد القلب، وتجديد القلب لا يكون إلا بنفحة ربانية، وهبة إحسانية، ويقظة لا تدع القلب يستأنس إلا بالله، ولا يطمئن إلا إلى وعده، ولا يستمد القوة إلا من حضرته.
فإذا كان إبراهيم عليه السلام قد سأل قومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾، فإن الاعتكاف يوقظ في أعماق النفس سؤالًا آخر: أيُّ قلب يليق أن يقف بين يدي الله؟ وأيُّ عكوف يبقى بعد أن يشرق نور الحق في القلب؟ هناك يبدأ الاعتكاف الحقيقي، وهناك تبتدئ رحلة التحرر، وهناك تتجدد الهبة التي بها تحيا القلوب، وتحيا بها الأمم.
ولعل من أعظم ما تحتاج إليه الأمة اليوم، وهي تتقاذفها أمواج الفتن، وتتنازعها عوامل الوهن والتفرق، أن تستعيد روح الاعتكاف قبل أن تستعيد صورته؛ لأن الاعتكاف في جوهره ليس انقطاعًا عن حركة الحياة، وإنما رجوعٌ إلى المنابع التي تُصنع فيها القلوب، وتُربى فيها الأرواح، وتُبنى منها الرجال. وما أحوج الأمة إلى هذه الروح، إذ لا سبيل إلى تجديد أمرها إلا بتجديد الإنسان الذي يحمل أمانتها، ولا يتجدد الإنسان إلا إذا عاد إلى أسباب حياته الإيمانية، واستمسك بالخصال التي بها يقوم البناء الإحساني وتستقيم معالم السلوك. فثمرة الاعتكاف الكبرى أن يردَّ القلب إلى صحبةٍ دالَّةٍ منهاجيةٍ مُنهِضة، توقظ الهمم، وتغذي الأشواق، وتأخذ بيد السائر إلى الله، وإلى ذكرٍ مطهِّرٍ مزكٍّ، يجلو صدأ القلب، ويحرره من غلبة الغفلة، ويملؤه بحضور الله ومراقبته، وإلى صدقٍ رافعٍ مميِّزٍ عن النفاق ومعاطبه، يصفو به القصد، ويستقيم به السير، ويثبت به العبد على العهد في الرخاء والبلاء. وحين تجتمع هذه المعاني في القلب، لا يعود الاعتكاف أيامًا معدودات تنقضي بانقضاء زمانها، وإنما يصير حالًا دائمًا، يظل القلب فيه عاكفًا على الله، وإن كان الجسد سائرًا بين الناس، وتلك هي الروح التي بها تحيا الأمة، وبها تستأنف رسالتها، وبها يحقق الله وعده لعباده الصادقين.
ختاما أيها الأحبة…
لعل الاعتكاف، في جوهره، ليس مقامًا يطوى بانقضاء أيامه، ولا موسمًا ينتهي بانتهاء ساعاته، وإنما هو ميلادٌ جديد للقلب، وتجديدٌ للعهد مع الله، وانتقالٌ من العكوف على ما سواه إلى العكوف عليه سبحانه. فإذا كان إبراهيم عليه السلام قد حطم أصنام الحجر، فإن لكل واحد منا أصنامًا لا تُرى بالأبصار، ولكنها قد تحجب البصائر؛ أصنامًا من هوى النفس، ومن الغفلة، ومن العادة، ومن الركون إلى الأسباب، ومن خفاء الالتفات إلى غير الله.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يغادر معنا هذا الاعتكاف، لا أن يبقى بين جدران هذا المسجد: على أي شيء سيظل القلب عاكفًا بعد اليوم؟ فإن كان قد خرج وليس فيه إلا الله، فقد صدق الاعتكاف، وإن بقيت فيه المزاحمات، فما أحوج القلب إلى اعتكاف جديد، وإلى افتقارٍ جديد، وإلى هبةٍ جديدة من الله.
فاللهم يا من فتحت لنا بابك، فلا تغلق دوننا باب رحمتك، ويا من أذقت قلوبنا حلاوة القرب، فلا تحرمها لذة الأنس بك. اللهم اجعل هذا الاعتكاف بداية عهدٍ لا ينقضي، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وامنحنا قلوبًا لا تعكف إلا عليك، ولا ترجو إلا إياك، حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
