عبد الغني الخنوسي

سلام على سيدنا المصطفى الأمين ﷺ يوم ولد، وسلام عليه يوم أشرقت برسالته الأرض، وسلام عليه يوم أتم الله به النعمة، وكشف به الغمة، وسلام عليه ما بقي في هذه الأمة قلب يخفق بمحبته، ولسان رطب بالصلاة والسلام عليه.

كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي أبي الفضل عياض رحمه الله[1]، أشهر من أن يُعرَّف بفضله أو يُستدل على مكانته، كما أن صاحبه الإمام العلم، قاضي سبتة، أشهر من أن تحصى مناقبه أو تستقصى آثاره. غير أن الحديث عن هذا المكتوب المبارك وصاحبه الجليل يظل من الأحاديث التي تأنس بها القلوب، وتطمئن إليها الأرواح، وتطرب لها الأفئدة؛ لأن “الشفا” عند المغاربة لم يكن مجرد كتاب في السيرة والشمائل وحقوق المصطفى ﷺ، وإنما غدا، مع توالي القرون، واحدا من أبرز آثار المحبة النبوية في الذاكرة المغربية، وكتابا سكن القلوب قبل أن تسكنه الرفوف، وتلقته الأجيال بالقبول والتعظيم، حتى صار اسمه مقترنا في الوجدان المغربي بالوفاء لسيدنا رسول الله ﷺ وتعظيم جنابه الشريف.

وليس من المبالغة القول إن “الشفا” من أعمق الكتب التي أسهمت في تشكيل معنى المحبة النبوية في قلوب المغاربة؛ فقد جمع مؤلفه بين العلم الراسخ والذوق الإيماني، وبين التحقيق الحديثي والتعظيم المحمدي، فجاء كتابه تعريفا بالمصطفى ﷺ، وبقدره وخصائصه وشمائله وحقوقه، وبما يجب له من التوقير والإكرام وحسن الأدب. ولذلك لم يكن المقصود من الكتاب أن يعرّف القارئ بسيرة النبي ﷺ باعتبارها مادة تاريخية فحسب، وإنما أن ينقله من المعرفة إلى المحبة، ومن المحبة إلى الأدب، ومن الأدب إلى الاقتداء.

وقد أشار القاضي عياض في صدر كتابه إلى هذا المقصد حين جعله تعريفا بقدر المصطفى ﷺ، وبيانا لما يجب له من توقير وإكرام، وما خصه الله تعالى به من الفضائل والخصائص. فجاء “الشفا” في أربعة أقسام كبرى، تناولت تعظيم الله تعالى لقدر نبيه ﷺ، وما يجب للأمة من حقوقه، وما يتعلق بخصائص مقام النبوة، ثم ما يترتب من سوء الأدب مع جنابه الشريف. وبذلك لم يكن الكتاب مجرد تجميع لأخبار الفضائل، بل بناء معرفيا متكاملا لمقام النبوة[2].

أولا – القاضي عياض كتب الشفا بقلب المحب وعقل العالم

يعد الإمام الحافظ أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي المالكي، أحد أعلام المغرب والأندلس في الحديث والفقه والقضاء والسيرة، ولد سنة 476هـ وتوفي سنة 544هـ. وقد جمع في شخصيته بين العلم والقضاء والتأليف، فكان من كبار أئمة المغرب الذين امتد أثرهم العلمي إلى ما بعد عصرهم.

وإذا كان القاضي عياض قد ترك للمكتبة الإسلامية مصنفات نفيسة، فإن “الشفا” ظل درة عقد مؤلفاته وأشهرها ذيوعا وأشدها اتصالا بالوجدان. ولعل سر ذلك أن عياضا لم يكتب عن سيدنا رسول الله ﷺ بعقل العالم وحده، وإنما كتب أيضا بقلب العالم الذي امتلأ إجلالا ومحبة وتعظيما؛ فكان الكتاب مزيجا بديعا من العلم والمحبة، والتحقيق والتوقير، والدليل والذوق.

ومن هنا جاءت قوته التأثيرية؛ فهو لا يكتفي بأن يقول لك من هو سيدنا محمد ﷺ، بل يريد أن يوقظ فيك الشعور بمن هو سيدنا محمد ﷺ؛ لا يكتفي بإحصاء خصائصه وشمائله، بل يهيئ القلب لتعظيم صاحب تلك الخصائص والشمائل.

ولعل لـ”الشفا” في المغرب خصوصية رمزية لا تخفى؛ فمؤلفه نفسه واحد من أعلام هذه الأرض، ومن كبار علمائها الذين أسهموا في بناء صرحها العلمي والروحي.

ومن هنا تكتسب الحكاية دلالتها العميقة؛ عالم مغربي ألّف كتابا في التعريف بحقوق المصطفى ﷺ، فتحول كتابه إلى واحد من أبرز كتب المحبة النبوية في المغرب، وإلى أثر علمي وروحي تجاوز حدود المكان والزمان.

وهكذا صار “الشفا” جزءا من ذاكرة المغرب الروحية؛ يلتقي فيه العلم بالمحبة، والسنة بالذوق، والسيرة بالذكر، والمسجد بالمجتمع.

وليس غريبا، والحال هذه، أن تظل مجالس قراءته وسرده وختمه حاضرة في بعض المساجد المغربية في ذكرى المولد النبوي الشريف؛ فهي صورة تختصر كثيرا من ملامح الشخصية المغربية المعتزة بهويتها.

ثانيا – القاضي عياض عالم عامل رافض للطغيان، خالد في الوجدان

عاش الإمام القاضي عياض رحمه الله في مرحلة من أكثر مراحل تاريخ المغرب اضطرابا وتحولا، حين كانت دولة المرابطين تنحسر وتتصاعد قوة الموحدين. وارتبط موقف عياض الرافض لطغيان الموحدين بما بلغه عن دعوة المهدي بن تومرت وما نُسب إليها من القول بالعصمة في الإمامة، وهو ما جعله يرفض الانخراط في المشروع الجديد، ثم اشتد موقفه حتى دعا إلى مقاومة الموحدين. ومع اشتداد الحصار واستقرار الأمر لعبد المؤمن بن علي، غلب على موقف القاضي عياض هاجس حقن الدماء وتجنب اتساع دائرة الاقتتال، فسافر في وفد إلى مراكش للقاء عبد المؤمن، غير أن مقامه هناك انتهى إلى نوع من الإبعاد عن مراكز التأثير، إذ أُسند إليه قضاء تادلة، فابتعد عن الحواضر الكبرى ومكث هناك مدة من الزمن[3].

وتزداد سيرة القاضي عياض في هذه المرحلة إضاءة حين ينظر إليها من زاوية علاقته بالسلطة المستبدة؛ فقد كان عالما عاملا ولم تغريه عطايا السلطان، ولم تتحول مكانته العلمية إلى تبعية سياسية، وظل يحمل ما يراه حقا ويدافع عنه في زمن كانت فيه التحولات السياسية والعقدية عاصفة. فكان العالم الذي لا يخشى في الله لومة لائم، وظل موقفه من دعوى العصمة عند الموحدين جزءا من سياقه العلمي والعقدي في مواجهة المشروع الموحدي. أما حضوره الرمزي في مراكش، فقد تعاظم في العصور اللاحقة، حتى أصبح أحد كبار علماء مراكش، وتحول قبره إلى معلم من معالم الذاكرة الدينية المغربية، كما أُحييت مجالس ختم “الشفا” بالمساجد، وكأن التاريخ المغربي اللاحق أعاد إنصاف العالم الذي عاش في زمن الصراع، فحفظ اسمه في الذاكرة، وربط مقامه بكتاب ظل عنوانا خالدا لمحبة المغاربة لسيدنا رسول الله ﷺ[4].

وتوفي القاضي عياض رحمه الله بمراكش سنة 544هـ. وقد اختلفت الروايات في تفاصيل وفاته؛ فنقل الإمام الذهبي خبرا بصيغة غير جازمة فقال: “بلغني أنه قُتل بالرماح، لكونه أنكر عصمة ابن تومرت”[5]، بينما تروي رواية ابنه محمد بن عياض أنه مرض بعد عودته إلى مراكش، فأقام بها أياما ثم توفي[6]. ومن ثم يصعب الجزم برواية القتل، وإن كانت قد ارتبطت في بعض كتب التراجم بموقفه من دعوى عصمة ابن تومرت.

ثالثا – “الشفا” عنوان يلخص المقصد

ولعل من أسرار جمال الكتاب أن عنوانه نفسه يحمل شيئا من رسالته، “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”. فالشفاء هنا أعمق من شفاء البدن؛ إنه شفاء القلب من الجهل بالمصطفى ﷺ، ومن الجفاء عن هديه، ومن الغفلة عن قدره، ومن كل ما يحول بين المؤمن وبين محبته وتعظيمه والاقتداء به.

أما “التعريف” فليس مجرد تقديم معلومات، وإنما هو تعريف يفضي إلى المعرفة، والمعرفة إذا صدقت أورثت المحبة، والمحبة إذا صدقت أثمرت الأدب والاتباع.

وهنا تبرز عبقرية المشروع العياضي الذي يجعل معرفة النبي ﷺ طريقا إلى محبته، ومحبته طريقا إلى تعظيمه واتباعه.

وهذا منسجم مع أصل قرآني عظيم؛ فالله تعالى لم يجعل دعوى محبته سبحانه مجرد عاطفة، بل جعل برهانها اتباع رسوله ﷺ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. فالمحبة في الإسلام محبة لها برهان، ولها أدب، ولها أثر في السلوك.

رابعا – “الشفا” جزء من تاريخ حب المغاربة الراسخ لسيدنا رسول الله ﷺ

هنا تبدأ قصة أخرى لـ”الشفا”؛ قصة الكتاب حين غادر صفحات التأليف ودخل في نسيج حياة المغاربة. فلم يكن “الشفا” في المغرب كتابا يقرأ فحسب، وإنما كان كتابا تُتلقى به المحبة، وتُربى عليه القلوب، وتُستحضر به عظمة المصطفى ﷺ. انتقل بين المساجد والمدارس والبيوت ومجالس العلم والذكر، وتلقته الأجيال جيلا بعد جيل بالقراءة والشرح والسماع والختم، حتى ارتبط في الذاكرة المغربية بمشاعر التوقير والوجد والشوق إلى سيدنا رسول الله ﷺ.

ومما يروى في هذا الباب عبارات بالغة الدلالة على منزلة الكتاب، من قبيل الدعوة إلى اقتنائه حتى قيل: “بيعوا ثيابكم واشتروا بها الشفا”؛ وهي عبارة، بصرف النظر عن سياقها التداولي، تكشف عن صورة من صور التعلق الشعبي بهذا السفر ومكانته في الحياة الدينية.

كما ظلت مجالس ختم “الشفا” حاضرة إلى يوم الناس هذا في المغرب، بما يدل على أن الكتاب لم يكن مجرد أثر محفوظ في المكتبات، بقدر ما أصبح نصا حيا يتجدد حضوره في المجالس والقلوب.

إن “الشفا” ليس فقط كتابا عن حب رسول الله ﷺ؛ إنه نفسه جزء من تاريخ حب المغاربة لرسول الله ﷺ. فمن يقرأ تاريخ المغرب الروحي يجد المحبة المحمدية راسخة في مجالس العلم والذكر، وفي المديح النبوي، وفي القصائد والأشعار والأهازيج والزجل الشعبي، في البيوت والمساجد، وفي الاحتفاء بالسيرة والمولد النبوي، وفي كثرة الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ.

 فلم يكن حضور “الشفا” عارضا؛ لقد وجد قلبا مغربيا مهيأ لاستقباله، قلبا أحب المصطفى ﷺ، واستغرق في الصلاة والسلام عليه، وأنشد في مدحه، وجعل من ربيع الأول شهرا تتجدد فيه الصلة بسيرته وشمائله وأخلاقه.

وقد صدح الشعراء بهذا الوجد، ومن أشهر ما قال الإمام البوصيري رحمه الله في بردته الماتعة:

دعْ ما ادّعتهُ النصارى في نبيّهمُ .. واحكمْ بما شئتَ مدحًا فيه واحتكمِ

وانسبْ إلى ذاتِه ما شئتَ من شَرَفٍ .. وانسبْ إلى قدرِه ما شئتَ من عِظَمِ

فإنَّ فضلَ رسولِ الله ليس لهُ .. حدٌّ فيُعرِبَ عنه ناطقٌ بفمِ [7]

فإذا كان “الشفا” قد عرّف بحقوق المصطفى ﷺ، فإن المديح النبوي ترجم شيئا من أثر تلك المعرفة في الوجدان؛ علمٌ يعرّف، ومحبةٌ تتبع، وشعرٌ يفيض، وسلوكٌ ينبغي أن يصدق الجميع.

خامسا – “الشفا” والمولد النبوي

ومن أخصب المواطن التي تجلت فيها هذه الصلة مجالس المولد النبوي الشريف؛ حيث اجتمع عند المغاربة العلم بالمحبة، والسيرة بالذكر، والقراءة بالصلاة والسلام على النبي ﷺ؛ فقراءة “الشفا” في هذه المجالس هي استحضار لسيرة الحبيب ﷺ، وتعريف للأجيال بفضائله وشمائله وحقوقه، وتجديد للعهد بمحبة المصطفى وتعظيمه. ومن هنا ارتبطت قراءة «الشفا» عند المغاربة بذكرى المولد النبوي الشريف، كما ارتبطت قراءة صحيح البخاري في بعض المجالس بهذه المناسبات، في صورة تكشف عن منزلة السنة النبوية ومركزية المحبة المحمدية في قلوب الشعب المغربي.

وفي ربيع الأول، حين تجتمع الأصوات على الصلاة والسلام، وتُتلى السيرة والشمائل، ويُسمع المدح النبوي، ويُقرأ “الشفا”، يستعيد الوجدان معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

إنها ليست مناسبة لتذكر زمن مضى وحسب، وإنما مناسبة لاستحضار الرحمة التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ، والنور الذي أشرق به، والهدي الذي ورثه للأمة.

سادسا – نقد علمي لا ينتقص من مكانة الكتاب

ومع ما لـ”الشفا” من منزلة عظيمة، فإن القراءة العلمية الرصينة تقتضي ألا تمنع المحبة من النقد الحديثي المنهجي؛ فقد نبه بعض أهل العلم إلى ما في الكتاب من روايات تحتاج إلى نظر وتمحيص، وتحدث الإمام الذهبي رحمه الله عن كتاب «الشفا» فقال: “وتواليفه نفيسة، وأجلها وأشرفها كتاب الشفا، لولا ما قد حُشِّي بأحاديث مفتعلة”[8].

غير أن هذا النقد لا يلغي مكانة الكتاب العلمية والتاريخية، ولا يبرر دعوة بعض المتنطعين إلى إسقاطه جملة؛ فقد تلقته الأمة بالقبول، وعرف مؤلفه بإمامته في علوم الحديث، وله مصنفات تشهد برسـوخ قدمه في هذا الفن، كما أن طبيعة الكتاب ومقصده يقتضيان التمييز بين أبواب الأصول والأحكام وبين أبواب الفضائل والمناقب.

ومن ثم فإن المنهج الأقوم هو الجمع بين الوفاء لميراث العلم والتحقيق العلمي؛ فنقرأ “الشفا” بحب، ونفهمه بعلم، ونحقق مروياته بميزان أهل الحديث، ونستخرج منه ما يضيء صلتنا بسيدنا رسول الله ﷺ.

سابعا – لماذا نحتاج “الشفا” اليوم؟

إذا كان الإمام القاضي عياض رحمه الله قد كتب “الشفا” في سياق واجهت فيه النبوة وأسئلة الإيمان تحديات فكرية وعقدية، فإن الحاجة إلى التعريف بسيدنا رسول الله ﷺ لا تقل اليوم، وإن اختلفت صور التحدي. ففي زمن تقدم فيه نماذج الشهرة السريعة، وتُستنزف عقول الناشئة بالتفاهة الزائفة، نحن أحوج ما نكون إلى أن نعيد تعريف أبنائنا بسيدنا رسول الله ﷺ؛ لا بوصفه شخصية تاريخية عظيمة فحسب، إنما بوصفه القدوة العظمى والأسوة الحسنة والنبي الذي أحبه الصحابة حتى صار حبه جزءا من إيمانهم حين أخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

إن أبناءنا لا يحتاجون فقط إلى أن نخبرهم أن سيدنا محمدا ﷺ نبي الله وفقط، هم محتاجون إلى أن يعرفوا كيف كان سيرته وأخلاقه ﷺ؛ كيف كان يعفو، وكيف كان يرحم، وكيف كان يتعامل مع الضعيف، وكيف انتصر للمظلوم، وكيف كان يصبر، وكيف كان يعبد ربه عز وجل، وكيف كان يعيش للناس وبالناس ولله عز وجل.

هنا يصبح “الشفا” جسرا بين المعرفة والوجدان؛ بين أن نعرف النبي ﷺ وأن نحبه، وبين أن نحبه وأن نقتدي به.

وهنا ينبغي أن نستعيد المعنى الأعمق للمولد النبوي الشريف. فالمحبة النبوية ليست أن تفيض العين بالدمع في المجلس ثم تجف الروح بعده، وليست أن يعلو الصوت بالصلاة والسلام ثم يعلو في الحياة صوت الظلم والغلظة والكذب.

لقد قال سيدنا رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»[9].

وهذه المحبة ليست شعارا؛ إنها محبة تُغيّر صاحبها. فما قيمة أن نقرأ عن رحمته ﷺ إن لم نتعلم الرحمة؟
وما قيمة أن نسمع عن عفوه إن لم نتعلم العفو؟ وما قيمة أن نمدحه إن لم نتخلق بصدقه وأمانته وتواضعه وعدله؟

المولد الحقيقي هو أن يولد فينا خُلُق محمدي جديد. أن يولد فينا الصدق حين يغلب الكذب، والرحمة حين تقسو القلوب، والعفو حين يسهل الانتقام، والتواضع حين يغري الجاه، والإحسان حين لا ينتظر المرء جزاء. وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. فغاية المعرفة النبوية ليست أن نملأ الذاكرة بالأخبار، وإنما أن تتحول السيرة إلى حياة، والشمائل إلى أخلاق، والمحبة إلى اتباع.

خاتمة

ما أحوج أبناء بلد القاضي عياض، وأبناء هذه الأرض المباركة التي حفظت في ذاكرتها كثيرا من آثار المحبة المحمدية، إلى أن يظل هذا الإرث النفيس حاضرا في وجدانهم، وأن تمتد صلة الأجيال بكتاب “الشفا” كما امتدت عبر الآباء والأجداد. فـ”الشفا” ليس كتابا للماضي وحده، ولا إرثا علميا أودعته القرون بين دفتيه، وإنما هو كتاب تتجدد معانيه كلما أقبل عليه قلب محب، وعين فاحصة، وروح متطلعة إلى معرفة المصطفى ﷺ.

وفي العودة إلى “الشفا” بعيون اليوم وقلوب المحبة، يجد القارئ أكثر من مادة معرفية عن سيدنا رسول الله ﷺ؛ يجد طريقا إلى معرفته، وتعظيمه، ومحبته، والتأدب معه، والاقتداء بهديه. فهو كتاب يعرفنا بمن نحب، ويعمق المحبة بالمعرفة، ويصل المعرفة بالاتباع، حتى لا تبقى المحبة شعورا عابرا، بل تتحول إلى أثر حي في القلب والسلوك.

وليس المطلوب أن نحتفل بالمولد النبوي الشريف ثم نعود إلى حياتنا كما كنا، وإنما أن يكون ربيع الأول موعدا مع تجديد المحبة، وتجديد العهد بالاقتداء، وتجديد الصلة بالنبي ﷺ. فالربيع الذي نريده ليس ربيعا في التأريخ وحده؛ بل ربيعا في القلوب. وما أجمل أن يتحول ربيع الأول من ذكرى مولد النبي ﷺ إلى ولادة المحبة الدائمة له في القلوب، ومن شهر للذكر إلى حياة لاستعادة أخلاقه، ومن قراءة لسيرته إلى عيش لهديه.

وإذا كان السؤال: كيف نحب سيدنا رسول الله ﷺ؟ فإن الجواب الذي يليق بالمحبة الصادقة هو:

نعرفه كما عرفنا به ربنا عز وجل، ونحبه كما أمرنا الله جل وعلا، ونصلي ونسلم عليه، ونتبعه كما دلنا القرآن الكريم، ونقتدي به حتى تصبح سنته أخلاقا تمشي بين الناس.

فذلك هو “الشفا” في أعمق معانيه، أن يشفى القلب بمعرفة المصطفى ﷺ، وأن تستيقظ فيه محبته، وأن تتحول المحبة إلى اتباع، وأن يتحول الاتباع إلى أخلاق، حتى يكون أثر سيدنا محمد ﷺ فينا شاهدا على صدق محبتنا له ﷺ.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاة تملأ القلوب محبة، والأرواح أنسا، والحياة هديا ونورا.

اللهم صل على سيدنا محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل سيدنا إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

الهوامش والمراجع:

[1] القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1404هـ/1984م.

[2] القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج1، ص 1-11.

[3] الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1405هـ/1985م، ج20، ص217.

[4] السيني، المهدي، منهجية علماء المغرب في السيرة النبوية، مجلة دعوة الحق، السنة الخامسة والثلاثون، العددان 305-306، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 1994م، ص 104-108.

[5] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج20، ص217.

[6] محمد بن عياض بن موسى، أبو عبد الله، التعريف بالقاضي عياض، تقديم وتحقيق: محمد بنشريفة، منشورات جامعة القاضي عياض، مراكش، 2009م، ص 13.

[7] البوصيري، محمد بن سعيد، الكواكب الدرية في مدح خير البرية، المعروفة بـ”البردة”.

[8] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج20، ص212.

[9] البخاري، الصحيح، كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، حديث رقم 15؛ ومسلم، الصحيح، كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأهل والولد والوالد، حديث رقم 44.