تتميز أيام العشر بمكانة عظيمة عند الله عز وجل وفي نفوس المؤمنين والمؤمنات، كيف لا وأمهات العبادات مجتمعة فيها والنفحات الربانية تعم كل البقاع وأفضلها مكة والمدينة حيث الحجيج والتلبية، ويتوج هذا الموسم العظيم في اليوم العاشر بإهراق الدم وذبح الأضحية، ومما صحّ في الباب، ما رواه الترمذي وصححه الألباني، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما عمِلَ آدميٌّ من عمَلٍ يومَ النَّحرِ أحبَّ إلى اللَّهِ من إِهراقِ الدَّمِ، إنَّها لتَأتي يومَ القيامةِ بقرونِها وأشعارِها وأظلافِها، وإنَّ الدَّمَ ليقعُ منَ اللَّهِ بمَكانٍ قبلَ أن يقعَ منَ الأرضِ، فَطيبوا بِها نفسًا).

فما هو المقصود بالأضحية؟

وما هي الغاية منها؟

وما هي شروطها؟

الأضحية لغة: اسم ما يضحى به، أي يذبح أيام عيد النحر، وجمعها أضاحي.

واصطلاحا: ما يذبح من بهيمة الأنعام، وهي الغنم والبقر والإبل، في يوم الأضحى إلى آخر أيام التشريق، تقربا إلى الله تعالى دون مباهاة ولا مفاخرة، قال تعالى: فصل لربك وانحر (الكوثر: 2).

وتجب على:

– من قدر على شرائها.

– من تصدق عليه بها.

– من وهبت له.

وهي قربة لله تعالى وشعيرة من شعائر الله العظيمة، في القيام بها شكر لله تعالى على نعمه وإحياء لسنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين أمره الله عز وجل بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه السلام في يوم النحر، وفيه تذكير بصبرهما وتضحيتهما وامتثالهما لأمر الله وتقديمهما لمحبته تعالى على النفس والولد، وتحفيز لنا على طلب رضا الله والقرب منه.

أيضا هذه العبادة وسيلة للتوسعة على النفس وأهل البيت، وإكرام الجار والضيف، والتصدق على الفقير والمحتاج، وكلها مظاهر للفرح والسرور، وتحدث بنعم الله، كما قال تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث (الضحى: 11).

وأفضل الأضاحي الغنم الذكور ثم الإناث، ثم البقر الذكور ثم الإناث، ثم الإبل الذكور ثم الإناث، وهكذا.. فذكور الغنم أفضل من إناثها، وإناث الغنم أفضل من الثور، والثور أفضل من البقر، والجمل أفضل من الناقة، وهذا قول المالكية، ودليلهم قصة سيدنا إبراهيم مع سيدنا إسماعيل حيث فداه الله بذبح عظيم (كبش)، وفعل الرسول، لأنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين وهو صلى الله عليه وسلم لا يفعل إلا الأفضل.

هذا والأفضل من كل جنس الفحول ثم الخصيان، لأنها الأسمن والأكثر لحما، ثم الإناث، ويجب الحرص على الأضحية الأكمل خَلقا والأحسن منظرا  قدر المستطاع، لأنها قربة للخالق سبحانه وتعالى، ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين أقرنين أملحين”، والأملح ما خالط بياضه سواد.

ويشترط فيها خمسة شروط:

1- أن تكون من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، سواء كان ذكرا أو أنثى، والمعز نوع من الغنم والجاموس نوع من البقر.

2- أن تبلغ السن المجزئة في الأضحية:

“اتفق جمهور أهل العلم على أنه لا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني فما فوقه، ويجزئ من الضأن الجذع فما فوقه. وقال المالكية في المراد بالجذع والثني:

الجذع من الغنم ما أتم ستة أشهر وقيل ثمانية، وقيل عشرة، وقيل ابن سنة كاملة. والثني منها ابن سنتين، وقيل ما دخل في الثانية.

والثني من البقر ما أتم ثلاثاً ودخل في الرابعة.

والثني من الإبل ما دخل في السادسة” (1).

3- السلامة من العيوب: فالله طيب لا يقبل إلا طيبا، ففي حديث حديث البراء بن عازبٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “أَرْبَعٌ لاَ تُجْزِئُ فِي الأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لاَ تُنْقِي” (2)، لا تنقي أي لا مخ في عظمها، وقيل لا شحم فيها.

ومن باب أولى المقطوعة رجلها والعوراء، وأيضا المقطوعة الأذن أو أكثر من ثلثها، والأضحية المقطوع أكثر من ثلث ذنبها، والكسيرة التي تدمي، أي الأضحية التي كسر قرنها ويسيل دمها.

4- أن تذبح في وقتها المحدد، وهو ضحى يوم الأضحى، بعد صلاة العيد، وأضاف المالكية بعد أن يذبح الإمام، ويستمر إلى مغيب 13 ذو الحجة، أي آخر أيام التشريق. وأفضلها يوم العيد إلى الزوال، ويمنع الذبح ليلا بعد غروب الشمس، ومن فعل ذلك فلا أضحية له وعليه ذبح أخرى كما جاء في الرسالة لأبي زيد القيرواني.

5- عدم بيعها بعد تعيينها إلا أن يبدلها بخير منها.

ويباح الاشتراك بين الأقارب في ثواب الأضحية بثلاثة شروط: القرابة والمساكنة والإنفاق عليهم.

وتجوز الشركة في ثمن البقر بين سبعة أشخاص على الأكثر، لكل واحد منهم السبع، والاشتراك في ثمن الإبل بين عشرة أشخاص على الأكثر، ولا يجوز الاشتراك في ثمن الغنم.

ويسن للمضحي أن يذبحها بيده؛ ذكرا كان أو أنثى، فإن كانت من الغنم أو البقر أضجعها على جنبها الأيسر ليتمكن من استعمال يده اليمنى، وإن كان أعسرا فعل العكس، موجهة إلى القبلة، ويضع رجله على صفحة العنق، ويحسن الذبحة باستعمال سكين حاد، ويقول عند الذبح: بسم الله والله أكبر، ولا بأس أن يضيف ربنا تقبل منا، وله أن يقول: “اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عني وعن أهل بيتي”.

قال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: “وَمَنْ ضَحَّى بِلَيْلٍ أَوْ أَهْدَى لَمْ يُجْزِهِ، وَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ يُذْبَحُ فِيهَا أَوْ يُنْحَرُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا، وَأَفْضَلُ أَيَّامِ النَّحْرِ أَوَّلُهَا، وَمَنْ فَاتَهُ الذَّبْحُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَى الزَّوَالِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ إلَى ضُحَى الْيَوْمِ الثَّانِي. وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ جِلْدٌ وَلَا غَيْرُهُ. وَتُوَجَّهُ الذَّبِيحَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ إلَى الْقِبْلَةِ، وَلْيَقُلِ الذَّابِحُ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِنْ زَادَ فِي الْأُضْحِيَّةِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَمَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي ذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ تُؤْكَلْ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ إرْسَالِ الْجَوَارِحِ عَلَى الصَّيْدِ. وَلَا يُبَاعُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ وَالنُّسُكِ لَحْمٌ وَلَا جِلْدٌ وَلَا وَدَكٌ وَلَا عَصَبٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَيَتَصَدَّقُ مِنْهَا أَفْضَلُ لَهُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ فِدْيَةِ الْأَذَى وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَنَذْرِ الْمَسَاكِينِ، وَمَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ، والذكاة قطع الحلقوم والأوداج ولا يجزئ أقل من ذلك. وإن رفع يده بعد قطع بعض ذلك ثم أعاد يده فأجهز فلا تؤكل، وإن تمادى حتى قطع الرأس أساء ولتؤكل. ومن ذبح من القفا لم تؤكل. والبقر تذبح فإن نحرت أكلت. والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل، وقد اختلف في أكلها، والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل، وقد اختلف أيضا في ذلك” (3).

ويسن أن يكون أول ما يؤكل يوم العيد من الأضحية، لحديث «ليأكل كل رجل من أضحيته» (4)، وأن يكون هذا الأكل بعد صلاة العيد والخطبة، وهذا قول أهل العلم منهم علي وابن عباس ومالك والشافعي وغيرهم. ويدلّ على ما تقدّم حديث بريدة رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم النحر حتى يذبح» (5). وفي حديثِ بُرَيْدة رضي الله عنه قال: “كَانَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إِذَا كَانَ يَوْمُ الفِطْرِ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَأْكُلَ شَيْئًا، وَإِذَا كَانَ الأَضْحَى لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا حَتَّى يَرْجِعَ، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ أَكَلَ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَتِهِ” (6).

ويستحب تقسيم لحمه أثلاثا، يُستحَبّ للمُضحّي أن يجعل أُضحيته ثلاثة أجزاءٍ؛ جزءٌ للفقراء، وجزءٌ للإهداء، وجزءٌ للأكل؛ استدلالاً بقَوْل الله -تعالى-: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (الحج: 23). وقال المالكيّة بعدم وجود قِسمةٍ مُعيّنةٍ في توزيع الأُضحية؛ فللمُضحّي الحُرّية الكاملة في تقسيمها، وتوزيعها كما يشاء؛ فيأكل منها ما يشاء، ويتصدّق بما يشاء، ويُهدي ما يشاء، وقد استدلّوا بما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (ذَبَحَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قالَ: يا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هذِه، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ منها حتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ) (7).

كما لا يجوز بيع شيء من لحمها أو شحمها أو جلدها، جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عياش المصري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من باع جلد أضحيته فلا أضحية له” (الترغيب والترهيب)، ولا يعطى للجزار منها شيئا على سبيل الأجرة.

ختاما أؤكد على ضرورة تعظيم هذه الشعيرة واستشعار الفرح والسرور في قلوبنا وغرسها في قلوب من حولنا، فرح بنعم الله وتوفيقه وكرمه عز وجل، يقول تعالى: ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (الحج: 32). فيوم العيد وأيام التشريق هي أيام فرح وأيام أكل وشرب وذكر لله وصدقة ورحمة لخلقه، فلنجدد نياتنا ولنعزم على بدأ صفحة جديدة في حياتنا ملؤها ذكر الله بالقلب واللسان والجوارح. فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأمطر علينا سحائب عفوك ومغفرتك ورضاك عنا وعن الأمة جمعاء.


(1)  محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي، القوانين الفقهية، ص: 126.

(2)  أخرجه أبو داود في «الضحايا» باب ما يُكره من الضحايا، وهو حديث صحيح.

(3)  محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، متن رسالة القيرواني، ص: 106-108.

(4)  صححه الألباني في صحيح الجامع، 5349.

(5)  قال الألباني: إسناده صحيح، المشكاة 1/452.

(6)  حديث ضعيف، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى.

(7)  رواه مسلم في صحيحه.