أجرى موقع mouminate.net حوارا مع الباحثة خولة مرتضوي، طالبة الدكتوراه في الحضارة الإسلاميَّة بكلية العلوم الاجتماعيَّة والإنسانيَّة جامعة ماليزيا للتكنولوجيا، استقصى من خلاله ارتساماتها حول المؤتمر الدولي الثالث الذي نظمته مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات، بمناسبة الذكرى الثامنة لرحيل الإمام رحمه الله، يومي السبت والأحد 4 – 5 جمادى الأولى 1442هـ/ 19 – 20 دجنبر 2020م، في موضوع “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”. والذي شاركت فيه الإعلامية والباحثة الأكاديميَّة في الإعلام الجديد والدين المقارن (ماجستير في مقارنة الأديان) بورقة حملت عنوان “التسَامُح وقَبُولُ الآخَر في الفِكر الإسلَامِي”.

الحوار حمل أيضا رأي الباحثة في فكر الإمام عبد السلام ياسين بعدما احتكت به عن قرب؛ سواء من خلال اطلاعها على بعض منتجاته الفكرية أو من خلال حضورها لمداخلات بقية المشاركين في المؤتمر. وقدمت فيه باكورة بحثها المذكور.

هذا نص الحوار:


مرحبا بك أستاذة خولة، وشكرا جزيلا على قبولك دعوتنا. نود أن نعرف ارتساماتك حول المؤتمر وحول فكر الإمام عبد السلام ياسين بعد اطلاعك على جزء منه.

مرحبا بكم وبجميع قراء موقع mouminate.net. وشكرا لكم أيضا.

سعدت وتشرَّفت بالمشاركة مع نخبة عريقة من العلماء والباحثين المشاركين في المؤتمر العلمي الثالث المنظم بعنوان “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”، تعرُّفي على ذواتهم العلمية السامقة والخبرات العلمية الكبيرة التي يمتلكونها أسعدني كثيرًا، فمثل هذه الملتقيات تجمع أبناء العلم من الشرق والغرب ليرتبطوا بعد ذلك في حلقة متصلة من التواصل العلمي والمهني الإيجابي والمثمر. وفي الحقيقة هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها مع مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات التي من خلالها تعرَّفت عن كثب على فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، ووجدته رجلًا شجاعًا وأمينًا، حاول في زمن، يشبه زماننا كثيرًا، أن يثور على سلطة الظلم والقهر بشتّى الطرق متبعًا سبيل العدل والإحسان. أؤمن أن أمتنا ولَدت كثيرًا من العُلماء الأكارم الذين خاضوا مع الظلم حروبًا مروعة، قد يضيق عنها صدر الكتب ووسائل الإعلام، هؤلاء أدّوا رسالتهم الدينية بكل بسالة وتبقَّى على أتباعهم والمعجبون بآثارهم النافعة أن يكملوا المسير بها، وأن ينتقلوا من طور الاحتفاء بتاريخهم الراحل إلى إعادة التاريخ وإعادة التصدِّي لأشكال القهر والظلم الذي كان وما زال في هذه المعمورة إلى قيام الساعة.

نريدك أستاذة أن تعرضي لقرائنا الأعزاء أهم ما جاء في بحثك الذي شاركت به في المؤتمر، والذي حمل عنوان “التسَامُح وقَبُولُ الآخَر في الفِكر الإسلَامِي”.

سأعرض جزءا من الورقة التي شاركت بها، أسأل الله تعالى أن ينفع بها ويتقبلها خالصة لوجهه الكريم.

معلوم أن واقِع الحياة يفرِضُ تنوعًا وثراءً ثقافيًا ودينيًا كبيرًا، كما أنَّ التبايُن والتنوُّع الإنسانِي ينعكِس بشكلٍ مُباشِر على الأمزِجَة والمذاهِب والمُيُول والمُعتقدات؛ الأمر الذي يؤدِّي إلى اختلافٍ وتمايُزٍ وتغايُرٍ في المنطلقات الفكريَّة والسُلوكيَّة للبشر، ولولا مبدأ التسامُح لما تقبّلنا، بصدرٍ رحِب، كُلّ هذا الثراء والتنوُّع الذي اقتضَتهُ سُنَّةُ الحياة، وكُل تِلك الآراء ووِجهات النظَر والرُؤى المُختلِفة التي تزيدُ العقل الإنساني خُصوبَةً وتلاقُحًا وإنتاجيَّة. فالتسامُح إذن مُتطَلَّبٌ ضَرورِيٌّ لمواجهَة التزَمُّت والعَداء والتشَدُّد والانغلاق والتعصُّب، والإفراط في الاعتقاد بالتفوُّق على الآخر دينيًا وعِرقيًا وسِياسيًا وثقافِيًا. كما أنَّ التسامُح مع الآخر؛ يُعَدُ كذلِكَ شرطًا من شُروط استمرار الحياة الكريمة للإنسان وتعايُش كافَّة مكنُوناتِها المُتبايِنَة، فالاختِلاف طبيعَة اجتماعيَّة بشريَّة أكَّدتها وتؤكِّدُها ذاكِرَة التجارُب البشريَّة.

إنَّ الدين الإسلامِي كانَ وما زال منهَجًا للهِداية الإنسانيَّة، فهُو النظام الذي ارتآهُ رَبُّ العالمين للعَرب والمُسلمين؛ لتحقِيقِ التضامُن الاجتماعِي واستِيعاب التبايُن في هذا العالم، وبهذا النِظام العالمي فضَّل اللهُ المُسلمِين على العَالمِين، على كُلِّ أصحابِ المَمالِك والدُويلات والأُمَم الدُنيويَّة المُستنِدَة على منهَج القَهرِ والقُوَّة. فهذا النظام العالمِي الشُمولِي يعتمِدُ على إيقاظ مشاعِر الرحمَة والمودَّة والإيمان والتسامُح والتعايُش عِندَ كُلِّ مُسلم باعتبارِهِ خليفة اللهِ في هذه الأرض وبعضًا من نورِهِ وقَبَسِه، فهو بالتالِي نظامٌ لا يقومُ نهائيًا على السُلطة القهريَّة الموجُودَة في غالبيَّة الأنظمة الدنيويَّة الموضُوعَة.

ويتفَرَّدُ الإسلام على غيرِه من الأديان السماويَّة والفلسفات الشرقيَّة والأيدولوجيات الغربيَّة؛ بكَونِهِ حركةً دِينيَّة اجتماعيَّة وسِياسيَّة، فهو يجمَعُ في ثناياه؛ نزعَة الهِدايَة الرُوحيَّة مع إرادة القوَّة والهيمنَة، وهذا الجَمعُ المَثالي يَجعَلُ الإسلام، دونًا عن سواه، ثورةً تاريخيَّة كُبرى غيَّرَت مجرى الحياة، فعندما فَهِم المُسلمون نُصوص دينَهم الحَنِيف؛ قاموا بِبناء حضَارة واسِعَة وعظيمة ومؤثِّرة، أما اليوم فحالُ الأُمَّة يشهَدُ على ابتعاد الغالبية العُظمى عن تعاليم دينهم الكريم، فالانتكاسة الهائلة التي تشهدها حياة المسلمين في هذا الزمن جليَّةٌ جدًا، وهي دليلٌ دامغٌ على خُضوع السُلطة الإسلاميَّة الحُرَّة لإرادة الشَيطان وهوى النفس والعياذُ بالله.

إنَّ التعَصُّب يجُرُّ من خلفِه التعصُّب، والتسامُح – مع مَن هُو أهلٌ له – يستجلِب التسامُح، والاعتدال يولِّد الاعتدال، والتاريخ الإسلامِي المُشرِق مَليءٌ بالأحداثِ التي تُؤكِّد ذلك، فعندما خضعَت الدولة الإسلاميَّة لسُلطة المغول الكافِرَة في أواسِط القرن السابِع الهجري؛ دُمِّرَت كثيرٌ من معالِم الحضارَة والفِكر الإسلامي، ورغم تلك الانتكاسَة السياسيَّة الهائلة في حياة المسلمين إلّا أنَّ الفكر الإسلامي استطاعَ أن يُحافِظ على تقدُّمه الثقافِي، فقساوَةُ الغازِي وشراسَة الصَدمَة لم تتسَبَّب في شَللِ مفاصِل الحياة الإسلاميَّة بل العكس، فالانهيار السِياسِي قُوبِلَ بالتقدُّم الفكري والثقافِي، حيثُ زادَت الانتاجات العِلميَّة والفكريَّة لعُلماء المسلمين في تلك الفترة، وكانت سببًا رئيسيًا في تحوُّل أجهزَة السُلطَة المغوليَّة إلى العقيدَة الإسلاميَّة وكذلك الإعلان على أنَّ الإسلام هو دين مملكتهم الرسمِي، هكذا حَقَّق الإسلام نصرَهُ الحضارِي بعدَ خسارتِهِ العسكريَّة الفادِحَة.

ولنا في التجربَة الإسلاميَّة في بلادِ الأندلُس مثالٌ آخر على الإنسانيَّة التي حملها هذا الدين، ففي عهد المسلمين بالأندلُس وصَل التسامُح إلى ذروته وتعايشَت كثيرٌ من الحضارات والثقافات والشعوب بسلامٍ ووئام. وفي عهد الخليفة الأموي عبد الرحمن الثالث، ضمَّ طاقمه الوزاري؛ وزراء يهود وآخرين مسيحيين.

 ووصَل أمر التسامُح في الأندلُس، أن دعا البابا سلفستر الثاني، الذي تتلمَذَ لمدَّة ثلاث سنوات على يد أساتذتها في أشبيلية وقرطبة؛ رعاياه الغربيين إلى التخلُّق بأخلاق المسلمين التي تدعُو إلى كُل ما هو نبيل من صِدقٍ وأمانةٍ وتسامُحٍ وتعايش وغيرها من الصِفات النبيلة.

يُخبرنا التاريخ أنَّ أصحاب الديانات الأخرى عاشُوا في ظِل نظام الحُكم الإسلامِي؛ قرونًا متواترَة من الرِعايةِ والكَرامة والتسامُح والحُكمِ الذي يُراعِي، فيما يُراعي، عُهودهُم وذِمَمهُم. فدستورُ الإسلام الخالِد المُتمثِّل في القُرآن الكريم والسُنَّة النبويَّة الشريفة؛ يفيضُ بالمعانِي التي تجعَل التسامُح لُغةً إسلاميَّة أصِيلَة ومعنىً أخلاقِيًا شرعِيًا، وفلسفةً إنسانيَّة جامعَة، إنَّ هذه النصوص المقدَّسَة أعطَت زادًا نظريًا شامِلًا للمُمارسات الإسلاميَّة المطلوبة بشأن التسامُح وقبُول الآخر، وقد انعكسَت هذه التوجيهات الإلهيَّة والنبويَّة بشكلٍ تطبيقي ومنذُ أول حُكمٍ للإسلام، أي في عهد الرسول الكريم محمد -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وعهد صحابتِه الراشدين، وانجلَت هذه التوجيهات كذلك في العديد من المواثيق والاتفاقيات والنُصوص السِياسيَّة، مثل: دُستور المدينة وحِلف الفُضول وصُلح الحُديبيَة وغيرها.

ونحن اليوم في أشَدِّ الحاجَةٍ إلى تفعيل مبدأ التسامُح وأخذِهِ من طورِه النظري البَحت إلى طورِ التشغِيل التطبيقي، فمجتمعات القرن الواحد والعشرين بحاجَة إلى هذا التسامُح العظيم الذي فيه وحدَه يتم القبولُ بالآخر المُختلِف والتعايُش معهُ بإيجابيَّة ومُرونَةٍ حقيقيَّة، فالتقارُب بين الأُمَم والحضارات والثقافات أصبح واقِعًا كبيرًا بفِعل ثورة الاتصالات التي جعلت العالم (غُرفةً واحدة) يستوطِنُها الجميع، مُزيلةً كافَّة الحواجِز الزمكانيَّة بينَ هؤلاء الجماهيرِ الغفيرةِ المُتباينة، الأمر الذي يدفعُ بهؤلاء السُكّان في هذه الرقعة الصغيرة إلى إيجاد مساحاتٍ مشتركة مع غيرهم من المستوطنين؛ تحقيقًا لمصالِحِهِم الفرديَّة والمُشتركَة والمُضِيِّ بِهِم بسَلامٍ وأمَان إلى الغَدِ المُشرِق الذي يضُمُّ الجَميع.