يعيش الأقصى المبارك منذ بداية شهر رمضان ملحمة؛ أبطالها شباب عزل في مواجهة كيان غاصب مدجج بجميع وسائل الإجرام. بداية نحب أن تضعينا في سياق هذه الهبة وخلفيات الاقتحام الصهيوني؟

حدثت هبة باب العامود منذ اليوم الأول من شهر رمضان المبارك، منذ اللحظة الأولى التي وضع الاحتلال فيها الحواجز الحديدية عند منطقة باب العامود، وهو باب مركزي من أبواب البلدة القديمة، وهو الباب الذي يدخل إلى المسجد الأقصى، وطبعا هناك أبواب كثيرة، فهو أحد أبواب البلدة القديمة، ولكنه باب جميل، عرف بارتقاء الكثير من الشهداء عنده، وهو مكان التقاء أهل الضفة مع أهل القدس مع أهل الداخل الفلسطيني، وهو قريب جدا من مركب الحافلات التي تنقل أهلنا من كل مكان إلى القدس دخولا إلى البلدة القديمة، ومن ثم وصولا إلى المسجد الأقصى المبارك.

حاول الاحتلال منذ اليوم الأول من رمضان أن يضع حواجز حديدية ليفرض واقعا جديدا على المدينة؛ ليمنع التقاء أهل القدس مع أهلهم في الضفة، ويمنع الجلوس فيه، والمقدسي يجلس في هذه المنطقة للترويح عن نفسه، يجلس ليشرب قهوة مع إخوانه من الضفة الغربية ومن الداخل الفلسطيني، وهذه هي أجواؤنا الرمضانية، فأراد الاحتلال أن يمنع هذا التجمع. وأيضا أراد أن يقلل عدد الداخلين إلى المسجد الأقصى وصولا لهدفه الذي يسعى إلى تحقيقه يوم 28 رمضان، يوم اقتحام آلاف المستوطنين، وذلك بإفراغه من المسلمين، مستعملا لتحقيق هذا الهدف كل الطرق والوسائل.

وطبعا، مع وضع هذه الحواجز فأهلنا في الضفة الغربية سيخافون من المواجهات التي تحدث، وسيقل عدد الداخلين إلى مدينة القدس والبلدة القديمة والمسجد الأقصى، وهو ما كان يسعى له الاحتلال.

تابعنا على وسائل الإعلام توسع الانتفاضة يوما بعد يوم خلال هذا الشهر الكريم، كيف تم ذلك؟

نية الاحتلال كانت هي اقتحام المسجد الأقصى يوم 28 رمضان، وهو ما يعرف بيوم القدس حسب التقويم العبري، وهذا كان سبب كل ما حدث؛ الاحتلال قام بعقد مؤتمر تحضيري قبل بداية شهر رمضان تقريبا بأسبوع للتحضير لهذا اليوم، اجتمعت فيه جماعات متطرفة؛ جماعة اتحاد منظمات لأجل الهيكل وغيرها.. هذه الجماعات طالبت شرطة الاحتلال أن تؤمن لهم الاقتحام يوم 28 رمضان، وبالتالي بدأ الاحتلال منذ اليوم الأول من رمضان في وضع هذه الحواجز.

كان لإقامة هذه الحواجز عدة أهداف، فبالإضافة إلى ما ذكرناه سابقا، كان الاحتلال يسعى إلى ضرب اللحمة بين أهل القدس وأهل الداخل الفلسطيني الممكن تواجدهم عند باب العامود، خاصة وأن هذا الباب تحديدا فيه درج يمكن الجلوس عليه.

فبدأ الاحتلال منذ أول يوم من رمضان في وضع هذه الحواجز، وبدأت المواجهات بين الشباب وشرطة الاحتلال على مسافة صفر؛ شباب لا يحمل ولا يمكن أن يحمل سلاحا، مقابل جنود الاحتلال الذين يحملون كل أنواع السلاح، واستخدموا فعلا كل أنواع القوة، إلى حدود 13 من رمضان بقيت هذه المواجهات مشتعلة ليل نهار خاصة بعد أذان المغرب.

يوم 13 من رمضان تراجع الاحتلال عن وضع هذه الحواجز لكنه بقي في تماس مع المقدسيين الذين ظلوا رافضين لها.

وكان هذا جانبا مما يجري، إضافة إلى ذلك بدأ الاحتلال يمنع أهلنا في الداخل الفلسطيني من الوصول إلى مدينة القدس خلال اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، وكان يوقف الحافلات في أماكن بعيدة عن مركز المدينة بما يقارب نصف ساعة أو ساعة إلا ربع حتى يمنع وصول المعتكفين، ومنع إدخال الماء والطعام للمعتكفين في المسجد الأقصى كي لا يستطيعون مواصلة اعتكافهم، ومنع أيضا حافلات أهل الضفة من الوصول إلى المسجد، وقام بافتعال مواجهات ليلة السابع والعشرين من رمضان لمحاولة طرد أكبر عدد ممكن من المعتكفين وإصابة واعتقال أكبر عدد منهم أيضا؛ اعتقل من اعتقل وأصيب من أصيب، هناك من فقد عينيه ومن أصيب في الرأس والجمجمة.. هناك إصابات خطيرة وأخرى متوسطة وأخرى بسيطة، كل ذلك لكي يكون المسجد الأقصى خاليا يوم 28 من رمضان من المسلمين.

على الرغم من كل ذلك بقي بضع آلاف من المسلمين داخل المسجد؛ تمكنوا من الاعتكاف والبقاء داخل الساحات، وفي صبيحة يوم 28 رأى الاحتلال أن العدد المتواجد لا يمكن مواجهته وتنفيذ الاقتحام الذي كان ينوي تنفيذه بعدد يقارب ألفين مقتحم، وهو الأمر الذي قد يثير مشاكل بالنسبة له فأصدر بيانا البارحة الإثنين (28 رمضان/ 10 ماي) يفيد بعدم تنفيذ الاقتحام.

أعلن هذا في بيان له الساعة السابعة والنصف تقريبا، ولكن في الساعة الثامنة قام الاحتلال بقواته وشرطته باقتحام المسجد الأقصى، وضرب المسلمين المعتكفين والمصلين المتواجدين داخل المسجد بالقنابل والهراوات والرصاص المطاطي، وأطلق عليهم الغاز المسيل للدموع، ودمر داخل المصليات، وحاصر النساء والرجال داخلها، وأغلق الأبواب عليهم، واستولى على مفاتيح أبواب المصليات، وقام بطرد من يتواجدون في ساحات المسجد إلى الخارج. الإصابات كانت كبيرة وبالغة؛ أكثر من 300 إصابة، والواضح أن الاحتلال كان ينوي الإيذاء وليس فقط التفريغ، حيث كان يركز ضرباته على الرأس والجمجمة والعيون.

من داخل موقع الأحداث، احكي لنا كيف عاشت الأسر في خضم هذه الأجواء خلال هذا الشهر الفضيل؟

عاشت الأسر المقدسية أياما صعبة في هذه الفترة، فنحن عندما نخرج من بيوتنا إلى المسجد الأقصى وحتى في الطريق وعلى أبواب المسجد لا نعلم إن كنا سنعود محمولين على الأكتاف أو فاقدين عيوننا أو سنُؤسر..

حقيقة كانت أياما صعبة على أهل القدس، لكن بفضل الله وبحمده يسر لنا النصر ومكننا من هذا العدو، وما قدمه المقدسيون في هذه الأيام هو أقل ما يمكن أن يقدموا، ثمن النصر غال، ولن يأتي بالراحة ودون بذل الجهد.

كانت أياما صعبة علينا فلم نكن ننام لا ليلا ولا نهارا، وكنا في خضم الأحداث، وأيضا في الجانب الآخر كنا نحاول أن ننقل بكل الوسائل والطرق للعالم الخارجي ما يجري داخل مدينة القدس، فكنا ندخل من مباشر إلى آخر وننتقل من بلد إلى آخر في ماراتون محاولين أن نوصل ما يدور في القدس الأقصى، لنشعل جذوة انتفاضة جديدة داخل مدينة القدس، خصوصا أننا بالكاد خرجنا من محنة كورونا.

يساند عدد كبير من أحرار شعوب العالم القضية الفلسطينية، وقد عرف المغرب – في هذا الإطار – مجموعة من المبادرات التضامنية مع الشعب الفلسطيني، كيف تجدون هذه المبادرات؟ وما مدى جدوائيتها بالنسبة لكم؟

والله، إننا نترقب أية مبادرة، أية وقفة إسناد، أو مسيرة، أو حتى حملة إلكترونية، فأهلكم في مدينة القدس ينتظرونها. ونحن نتابع عن كثب كل ما تقومون به؛ حتى المقلوبة المقدسية المغربية التي قام بإعدادها بيوت وأهل المغرب تضامنا مع القدس والأسر الفلسطينية وصلتنا وأسعدتنا، تابعنا الوقفات وحتى تلك التي تم قمعها في المغرب، لأنها تثلج صدورنا، وتحيي الهمة في قلوبنا، وتعطينا الطاقة والأمل بأننا لسنا وحدنا وأن القدس ليست مسؤوليتنا وحدنا، وتعطي رسائل لهذا المحتل الذي يظن ويحاول أن يقنعنا بأنه استفرد بنا  بأننا لسنا وحدنا من يدافع عن مدينة القدس، وأن هناك رجال أحرار في كل العالم يدافعون عن شرف الأمة، وأن القدس مسؤوليتهم أيضا، لاسيما أهلنا في المغرب الذين لهم في القدس وفلسطين شيء خاص؛ لهم بوابة، وهي التي يقتحم أقصانا منها، ولهم حارة هدمت، ولهم مسطبة.. نسأل الله أن تعودوا إلى حارتكم، وأن تعيدوا إلى بوابتكم وإلى مسجدكم ومسجدنا الطهر، وتعودوا أنتم الداخلون إلى هذه البوابة، فإنها تحن إليكم وتشتاق إلى طهر يأتي على أيديكم.

فهل من رسالة لهؤلاء الأحرار؟

رسالتي إلى الأحرار في المغرب الشقيق وفي كل العالم أن استمروا وهبوا لنصرة قدسكم ومسراكم، لا تستقلوا أي عمل تقومون به ولا تستهينوا به، فوالله لا تعلمون أي الأعمال يقبل عند الله، ولا تعلمون مدى تأثير ما تقومون به على أهلكم في مدينة القدس، وأيضا على إيلام هذا العدو، فهو عندما يرى هذه الانتفاضات والمسيرات والوقفات والحملات.. فإنه يعلم بأنه ليس للقدس فقط مقدسيون يدافعون عنها، إنما للقدس رجال في كل العالم يدافعون عنها ولن يسكتوا، وسوف يحررون المسجد الأقصى والقدس وسيأتون إليه فاتحين.

وماذا تقولون للمطبعين، سواء كانوا أشخاصا أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية؟

أما للمطبعين من بني جلدتنا فأنا أسأل: من هو المستفيد من هذا التطبيع؟ ولا أرى أحدا يستفيد منه سوى المحتل ذاته، وأما المطبع فهو خائن لنا ولله ولرسوله ولمقدساتنا ولكل المسلمين، خائب، خاسر في الدنيا والآخرة.

القدس تلعن كل من طبع، وأهل القدس يلعنون، والسماء والأرض تلعن من طبع مع الاحتلال وتخاذل وتنكر لكل ما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات نسائنا ورجالنا وأطفالنا الذين دفعوا دماءهم ورووا تراب هذه الأرض بدمائهم الطاهرة ليحرروها من دنس المحتل، فيأتي المطبع فيستسلم ويسلم ويضع يده في يد المحتل ويعتبره كيانا طبيعيا متناسيا متنكرا، فالقدس تلعنه.