هذه قصة شاب في مستوى البكالوريا جاءني يوما طالبا استشارة، فتحولت مقابلة الاستشارة إلى بداية لمسلسل بطلته “الكلمة الجارحة”. مسلسل لم أكن أتوقع نهايته. أنشرها تقاسما لدروسها مع المربين في الأسرة والمدرسة.

**********************

قال لي: لا أحب العودة للدراسة… أصبحت أكره الكتاب والأستاذ وأجواء الثانوية.

قلت: تقصد أنك لا تجد راحتك وبغيتك في المدرسة.

قال: نعم بالضبط.

قلت: أين تجد راحتك إذن؟ ما الذي تحب أن تمضي فيه وقتا طويلا دون ملل؟

نظر إلي نظرة مستغرب، أحسست أنه يبحث في داخله عن جواب مفقود، قال مترددا في شكل سؤال: الفيسبوك؟

قلت له: أنت إذن تهيء لمستقبلك ومسار حياتك على الفيسبوك؟

فهم رسالتي، ابتسم بسخرية.. وعاد للبحث في دواخله، قال: أنا تائه… لا تسير الأمور في حياتي كما يجب.

قلت: كيف يجب أن تكون في نظرك؟

قال: يجب أن أحب الدراسة، وعلي أن أنجح لتفرح أمي ويرضى أبي..

قلت: وماذا عنك أنت، ألن تفرح بنجاحك؟ ألن ترضى به؟

قال وهو ينظر إلى الأرض نظرة عميقة: لا أريد أن أنجح.

قلت: ما معنى النجاح بالنسبة لك؟

قال: النجاح هو نهاية سعيدة لحلم جميل، ولأني لا أحب لأحلامي أن تنتهي فلا أريد أن أحقق أي نجاح.

يا الله، ماذا يقول هذا الشاب؟

قلت: يعني أنك تجد المتعة في الفشل.

قال: ليس تماما… لكن أخشى أن تنتهي سعادتي بحلمي فور تحققه.

قلت: ليس هناك نجاح واحد في الحياة… ما إن تحقق واحدا حتى يتعلق قلبك بآخر إلى أن تلقى الله تعالى.

قال: وماذا يحدث لو لقيته وأنا لم أحقق أي نجاح في الحياة؟ ألن يكون راضيا عني؟

قلت: رضى الله لا علاقة له بنجاحات الحياة بشكل مباشر… إلا إن كرست نجاح الدنيا لتحقيق نجاح لقائك به… لكن أن تفشل في الحياة لا يعني أن الله لن يرضى عنك.

قال: ولماذا أبي لا يفهم ذلك… لماذا يربط رضاه عني بنجاحي في الحياة؟

واضح أن الشاب يعاني من سوء تصرف أبيه معه، واضح أن الأمر تجاوز حدود التحمل… صعب علي أن أدخل في نقاش سلوك الأب سواء بالدفاع عنه أو مجاراة ابنه فيما يقول.. هو يريدني أن أدخل في هذه التفاصيل.. لكنها منطقة فشلي أكيد، لذلك تحاشيت الأمر هذه المرة على الأقل.

قلت: دعك من أبيك وما يرضيه، قل لي أنت ماذا يرضيك؟

قال: الأمر مضبب عندي… وما يريده أبي مسيطر علي حتى أني لا أجد جوابا لسؤالك.. لست أدري ما أريد.

قلت: هذه بداية جيدة… أقدر فيك احترام أبيك، لكن من المفيد أن تفصل ذاتك عنه حتى ترسم مسارك بوضوح، اعرف ذاتك أولا، فكر جيدا فيما تحب وماذا تحب أن تكون. وفي المرة القادمة نتحدث عنك وحدك، أما أبوك فيمكنني أن ألتقيه بمفرده إن أذنت لي بذلك… فكر وإن احتجت لتدخلي سأكون رهن إشارتك.

قال: لو حللت عقدة أبي ستحل عقدتي.

قلت: ليس هناك أية عقد في الموضوع، هناك فقط زوايا نظر مختلفة سيسهل توحيدها.

قال: شكرا لك، ابتسم ابتسامة عريضة وأضاف: علي أن أفكر في ذاتي وفيما أريد، هل سأنجح في ذلك لوحدي؟

قلت: طبعا… وسيكون أول نجاح تحققه وتشعر بحلاوته.

قال: لا أحد يثق في؟ لماذا أنت واثق؟

قلت: أرى في عينيك توقدا وعزيمة، أزح عنك الضغوط وفكر… وفي المرة القادمة سنفرح معا بنجاحك.

نزلت دمعة من عينيه، كفكفها بسرعة، وقال: هل لك ابن مثلي؟

عاد مرة أخرى لقصة أبيه، قلت له: يا فلان؛ أنا أصغر مما تتوقع، أبنائي أصغر منك بكثير.

ضحكنا معا وانصرف بعد سلام حار.. قال قريبا نلتقي.

كانت النتائج الدراسية ليونس (اسم مستعار) جد متذبذبة. معدل الامتحان الجهوي جد ضعيف. ومن غير الملاحظات النمطية للأساتذة (مثل: ضعيف، لابأس به، متوسط) والتي لا تقول أي شيء غير تفسير النقطة، كتب أستاذ اللغة العربية: “تلميذ نبيه يمكنه تحقيق نتائج أفضل”.

في زيارته الثانية لي قلت: ماذا فعلت بخصوص الاتفاق، هل فكرت فيما تريد وفيما تحب؟

قال: نعم فعلت، وضحك ضحكة تجمع بين التهكم وعدم الثقة فيما وصل إليه.

قلت: الكلمة لك، كلي آذان صاغية.

سكت طويلا وهو يفكر وعينيه إلى الأرض… شعرت أنه في حاجة إلى مساعدة ليفصح عما بداخله.

قلت: أذكر أنك قلت لي في المرة الماضية أنك لا تريد أن تنجح لتحافظ على أحلامك.

قال: نجاحي سيجهض أحلامي… لأن المسار الذي أسير فيه لا يوصل إليها.

هذه عبارة أوضح من تلك التي صرح بها خلال المقابلة السابقة حين قال: النجاح هو نهاية سعيدة لحلم جميل، ولأني لا أحب لأحلامي أن تنتهي فلا أريد أن أحقق أي نجاح.

قلت: هذا يعني أنك تعرف أحلامك، وترغب في تحقيقها، لكن ليس بنجاحك في المسار الحالي، هل هذا ما تقصده؟

قال: نعم.

قلت: هل يمكنك أن تصف لي أحلامك؟

عاد إلى السكوت مرة أخرى. كلما سألته عن أحلامه وما يحب يفضل الصمت. لجأت إلى تقنية الكتابة وهي تقنية مفيدة في التخطيط الشخصي. أعطيته ورقة وقلما.

قلت: سأمنحك 10 دقائق لوحدك، أطلق العنان لخيالك وتحرر من كل ما يقيدك أو يضغط عليك الآن، انس تخصصك ودراستك وانس عائلتك ومحيطك، فكر فقط في الصورة التي تحب أن تكون عليها بعد عشر سنوات؛ حياتك، وظيفتك، علاقاتك، مسكنك، حالتك الاجتماعية… صف لي شخصا اسمه يونس في سن 28 سنة، صفه في أحلى صورة تحب أن تراه فيها.

بعد عشر دقائق أعطيته ورقة أخرى، قلت له: اكتب العوائق التي ستمنع يونس الذي وصفته من أن يكون على الصورة التي رسمتها له.

بعد انقضاء الوقت، طلبت منه أن يقرأ ما كتب. كانت لغته سليمة وراقية، أفكاره مرتبة، وصفه جميل ودقيق. تفاجأت كثيرا، فعادة عندما أقوم بنفس التمرين مع بعض الشباب لا يقوون على صياغة جمل قليلة دون أخطاء فاضحة. ورغم أن ما كتبه لم يخل من نبرة التشاؤم، ورغم أن حكاية الأب حاضرة بقوة في الورقتين معا، لكني صفقت له طويلا، وأغدقت عليه من كلمات التشجيع والإعجاب بما كتب، وركزت أولا على إمكانياته اللغوية وتميزها.

من أهم ما أشار إليه في ورقة الأحلام: أسرة مستقرة وزوجة مثقفة وطفلان، مكتبة في البيت، سيارة، تقديم المحاضرات والمشاركة في المناظرات وتأليف الكتب، زيارة بلدان العالم (ذكر بعضها)… ولم يذكر أية مهنة سيمارس.

ومما ذكر في ورقة العقبات: علاقته بأبيه، وفصلها بشكل جلي، وهكذا ساعدني على فهم الموضوع، على الأقل في عمومياته، ونتائجه الدراسية…

قلت: ما كتبته هنا واضح، وهذا أعتبره نجاحا لك.. ثم ابتسمت وأضفت: نجاح لن يهدد أحلامك.

قال: وكيف سينفعها؟

قلت: ألا ترى أنك كتبت عن أحلامك دون أن تذكر أباك، وكتبت عن أبيك دون أن تذكر أحلامك؟

قال: وما الفائدة؟

قلت: الفائدة هي أنك فصلت بينهما، وهذا سيساعدنا على أن نعالج كلا منهما بمعزل عن الآخر. ونحدد نقطة تقاطعهما ونعالجها في حجمها دون تضخيم. أنا أطلعتك الآن على الاستراتيجية التي عليك اتباعها، بقي أن تساعدني أنت بشيء؛ ضع جردا للمهن التي ترى نفسك فيها وأنجز بحثا صغيرا حولها. وفي المرة القادمة نناقش خطة تنزيل استراتيجيتك.

قال مبتسما: الأمر فيه استراتيجية.

قلت: اعتبرها خطة أو برنامج عمل أو مشروعا شخصيا… سمها ما شئت، المهم هي عبارة عن خطوات يجب اتخاذها لتحقيق نجاحاتك في الحياة.

قال: نحدد موعدا؟

قلت: راسلني عبر الفيسبوك عندما تكون جاهزا.

قال: ألا يمكن أن ننتهي من هذا اليوم؟

قلت: هل تعبت مني؟ مللت من لقاءاتي؟

ضحك وقال: أبدا، على الأقل أنت تتحملني… لكن أريد أن أصل إلى نهاية سريعة.

قلت: إذا لا تحصر هذا الأمر في مقابلاتي معك، وظف الفترات البينية لتحاور نفسك وتفكر ذاتيا وتتأمل، لأن هذا يساعد على فتح آفاق جديدة في كل مقابلة.

قال: فهمت… أشكرك كثيرا.

قلت: ما اسم زوجتك المثقفة؟

ضحك مطولا وقال: تلك زوجة يونس صاحب 28 سنة، والله لا أعرف اسمها.

قلت: لكنك تعرف أنها مثقفة.

قال: أكيد.

ثم غادر.

أغلب أساتذة يونس يجمعون على أنه تلميذ مهذب لكن يغلب عليه الخمول، ولا حافزية له في التعلم، ولا يبذل مجهودا على مستوى تحصيل المعارف. لذلك فنتائجه متواضعة.

في لقائي الثالث به وبعد الاستقبال وتخفيف الأحمال قلت: منذ لقائنا السابق وأنا أفكر في اللغة التي كتبت بها أحلامك، أقدر أن نتائجك في اللغة العربية جيدة، هل أصبت في تقديري؟

قال: ليس تماما.. يبدو أن أسلوب كتابتي الذي أعجبك غير كاف للحصول على نتائج جيدة.

قلت: هل تحب أن نخوض الآن في موضوع أحلامك المهنية أو في موضوع النتائج الدراسية لأنك سجلتها ضمن العوائق؟

قال: العوائق تشغلني أكثر، ومنها أبي.

يبدو أن موضوع علاقته بأبيه مسيطر عليه بشكل كبير، وأنا أحاول تأجيل الأمر للفت انتباهه إلى ذاته. لكن أمام إلحاحه وتلميحاته لم يعد التأجيل ممكنا، حتى لا ييأس من لقاءاتي به.

قلت: منهجيا أفضل أن تحدد أحلامك قبل الخوض في العوائق، لكن إذا أردت أن نعكس الأمر لا مانع عندي، وأضفت ضاحكا، ولتذهب المنهجية إلى الجحيم.

قال بإصرار: لتذهب المنهجية إلى الجحيم.

قلت: طيب نبدأ بعائق والدك، ما المشكلة في نظرك؟

قال: لا أدري، أشك أحيانا أني ابنه.

قلت: ما الذي يجعلك تفكر هكذا؟

غلبته دموعه.. حاول منعها.. انسكبت قطرات.. مسح خديه.. ثم انهار تماما وانهمرت دموعه، بكى طويلا وبحرقة، في كل مرة يحاول أن يستجمع قواه النفسية يفشل ويعود للبكاء…

احترق قلبي من دموعه، كرهت الوضعية التي تفرض علي أن أكون موضوعيا خلال المقابلات، لست أنا من يقدر على ذلك… غالبت دموعي أيضا، رغبت أن أطبطب على كتفيه وألقي بين يديه كلمات قاسية في حق أبيه… كيف يمكن لقلب شاب مقبل على الحياة أن يحمل كل هذا الهم والكرب؟ ما الذي يفعله هذا الأب بابنه؟ يااااه كم يجرم بعض الآباء في حق أبنائهم دون أن يعلموا بذلك… هكذا فكرت وأنا أراقبه.

حاولت أن أخفف عليه، عليّ ألا أشعره بأني أقلل من مشكلته، وفي نفس الوقت يجب أن أدفعه ليخرج من قوقعتها.

قلت: عندما نعيش مشكلة ما في الحياة نعيشها بكل جوارحنا وعواطفنا، وعندما نتجاوزها نشعر بنشوة الانتصار ويخالجنا إحساس بأننا قادرون على تجاوز أي مشكل مستقبلا. لما سمعني أتحدث كفكف دموعه بصعوبة. أضفت: هل سبق لك أن عشت مشكلة ثم تجاوزتها؟

قال: لا أذكر.

قلت: ما هو شعورك نحو أبيك؟ هل تحبه؟

قال: أحبه طبعا… لكني أكره معاملته لي.

قلت: تقصد أنه يعاملك بطريقة سيئة؟

عاد ليجهش بالبكاء.

قلت: يضربك؟

قال: لم يفعل منذ كنت طفلا. مسح دموعه وأضاف: منذ مدة طويلة وأنا أبحث عمن أتقاسم معه ما في صدري.. لم أجد من يستحق ذلك، حتى التقيتك.

قلت: أشكرك على ثقتك… هذا شرف لي.

قال: أبي كلامه قاس جدا، يصفني بالبليد الكسول العاجز الفاشل، لا يعجبه شيء مما أفعل، لا أسمع منه إلا النقد والتوبيخ. وعند صدور نتيجة دراسية أخضع لدورة من التأنيب والتحقير. يريدني أن أكون متفوقا في دراستي، حاذقا في شخصيتي، لا أخطئ، يريدني أن أفهم ما يريد قوله قبل أن تتحرك شفتاه وإلا فأنا (مَرْخِي) لا أصلح لشيء. لا يعجبه كلامي ولا جلوسي ولا نومي ولا لباسي، كل شيء يخضعه للنقد والتعديل… “ما شي هاكذا، خاصك دير هاااااكذا”… لم أسمع منه قط كلمة تنويه.

قلت: هذا الكلام وهذه المعاملة تشعرانك بألم كبير.

قال: أنا مخنوق.. ولولا أمي لغادرت البيت.

قلت: هل هذا طبع أبيك؟ يعني هل يتصرف بنفس الطريقة مع باقي إخوتك؟

قال: لا، أقصد أحيانا قليلة، لكنه يخصني بهذا التعامل بشكل دائم.

قلت: أنت ابنه البكر؟

قال: لا، أنا وسط بين أخواتي.

قلت: يعني أنك الولد الوحيد بين البنات.

قال: نعم.

قلت: ولماذا في نظرك يخصك بهذا السلوك؟ ما الذي يجعله مختلفا مع أخواتك.

قال: نتائجهن الدراسية أفضل مني… ودائما يقول لي: البنات أحسن منك… أنت ماشي راجل. وهذه العبارة تقتلني.

قلت: يعني أنهن متفوقات حاذقات، لا يخطئن، يفهمن الكلام قبل أن يقوله.. كما يطلب منك أن تكون.

قال: أبدا، هن عاديات جدا، وكثيرا ما أقوم بمهام صعبة يفشلن فيها.

قلت: هل تعتقد أن أباك يفعل بك ذلك حرصا منه على أن تصبح رجلا مثله. يعني يشد عليك ليميزك عن البنات؟

قال: هو لا يريدني أن أصبح مثله، هو يريد أن أكون مثل معاذ (اسم مستعار).

قلت: من يكون معاذ؟

قال: ابن عمي.

قلت: وكيف عرفت أنه يريدك أن تصبح مثل معاذ.

قال: ياااه، اقض معه ساعة زمن وسيحدثك عن معاذ ألف مرة. يقضي اليوم كله يحدثني عنه، ويقارنني به: “معاذ طالع راجل”، “معاذ واعر”، “معاذ ذكي”، “معاذ قافز”، “كن بحال معاذ”…

قلت: حدثني عن معاذ.

رد بعصبية: بنادم عادي.

قلت: ثم ماذا؟

قال: الحقيقة كان دائما متفوقا في دراسته، لذلك ظل أبي يضرب به المثل في كل شيء.

قلت: أفهم من كلامك أن معاذ لا يشبهك في أي شيء.

قال: نعم ولا شيء. أنا مختلف عنه.

قلت: تجمعكما العمومة، في ماذا تشتركان أيضا؟

قال: هو في نفس عمري وفي نفس مستواي الدراسي.

قلت: ونفس الشعبة؟

قال: للأسف. أبي اختار لي الشعبة العلمية لأن معاذ علمي.

قلت: يونس، إذا فهمت من كلامك؛ والدك يقارنك بأخواتك وبابن عمك، ويلح عليك لتصبح على الصورة التي رسمها لك. ويوظف لأجل ذلك كلمات قاسية وأوصافا مؤلمة تؤثر فيك بشدة وتربك حياتك، وأنت تعيش نتيجة ذلك ألما كبيرا يؤثر على نفسيتك ويفقدك الرغبة في الدراسة… فهمت أيضا أنك لم تختر الشعبة العلمية بل هو من اختارها لك. هل هذا ما يحدث؟

قال: نعم، إني تجاوزت الألم، أنا أحترق ولم أعد أحتمل.

قلت: لو كان أبوك أمامك الآن، ما الذي تحب أن تقول له.

نظر طويلا إلى الأرض، اغرورقت عيناه مجددا، قال بصوت مفعم بالألم: “حرام عليك، أنا ولدك ماشي عدوك”.

قلت: هل سبق لك أن التمست لأبيك عذرا فيما يقوم به، بينك وبين نفسك؟

قال: لا عذر له.

قلت: كل ما رويته لي هو وجه سلبي لأبيك. حدثني عن إيجابيات تراها فيه.

قال: لا أرى أي إيجابيات.

قلت: قلتَ لي سابقا أنه لا يضربك، ألا ترى أن هذه إيجابية.

قال: أحيانا أتمنى لو ضربني بعنف، ولم ينطق كلماته المسمومة.

قلت: هل يحرمك من شيء؛ ملبس، طعام، لعب، سفر، صداقة… هل حدث أن حرمك من شيء مثلا عقابا لك.

سكت قبل أن يقول: لا، لا شيء ينقصني من هذا…

قلت: ألا ترى أن ذلك إيجابي، يُحسب لأبيك.

قال: لا أدري، أحيانا لا أريد منه أي شيء، إلا أن يفهمني ويُسمعني كلاما طيبا.

قلت: ما موقع والدتك في هذا كله؟

قال: هذه قصة أخرى، إني سبب في نزاع دائم بينهما لأنها تدافع عني، وهذا يؤلمني أكثر. أطلب منها ألا تتدخل لكنها أحيانا لا تقاوم.

قلت: أنت ترى أن هذا يؤثر على تحقيق أحلامك.

قال: نعم.

قلت: يونس، أنت عبرت لي اليوم عن دواخلك بشكل شفاف وواضح، أعتقد أن مجرد البوح فيه فائدة كبيرة، وهناك بعض النقط المضيئة في شخصية أبيك. أعتقد أنه عليك أن تتواصل معه وتفاتحه وتصارحه في الموضوع…

قال: لا أمل في ذلك. لقد فاتحته مرة أو مرتين، لكنه لا يفهمني فيرد عليّ بكلام أقسى.

قلت: لا تمل من ذلك… التواصل مفتاح مهم.. جرب مرة ثالثة ورابعة، لكن يجب اختيار الوقت والمكان والأسلوب الأنسب لتجعله يشعر بما تقول له.

قال: كيف، أرشدني كيف أحدث شخصا لا يسمعني أصلا… وكلامي أيا كان لا يروقه.

قلت: دعني أقترح عليك وسيلة، سألعب وسيطا في الموضوع… لكن أنت من سيعبر عن المشكل وأنا سأسهل التواصل بينكما.

قال: كيف؟

قلت: سنرتب لقاء يحضر فيه معك، سأفتتح الموضوع وأيسر شروط التواصل، ثم أترك لك الكلمة لتقول ما تريد، وأساعدك عند الحاجة لنبلغه شعورك. أكيد أنه يحبك ويسعى لإسعادك فلا تفقد الأمل.

قال: هل ترى في ذلك استفادة؟

قلت: أنا لا أرى، أنا أقترح وأنت من يقرر.

قال: سأحاول، لن أخسر أكثر مما خسرت.

قلت: أنت لم تخسر شيئا بعد، كل الفرص مازالت مفتوحة أمامك، وأحلامك قابلة للتحقق.

قال: أتمنى ذلك.

ثم غادر.

طلبت إلى الأب الجلوس في مكان ليكون مقابلا تماما لابنه يونس، وجلست بينهما، بدا قلقا وظل يسأل منذ اللحظات الأولى: ما الذي فعله يونس حتى يتم استدعائي؟

فهمت أن يونس لم يخبره بطبيعة الموضوع، وأن الأب يعتقد أن ابنه ارتكب مخالفة أخلاقية اقتضت استدعاءه.

قلت: دعني أعرفك بنفسي، أنا لست لا من هيئة الإدارة ولا من هيئة التدريس، اسمي كذا، ومهمتي تنحصر في الاستشارة التربوية والتوجيه الدراسي والدعم النفسي. وإن كنت طلبت مقابلتك فلأن الأمر يتعلق بمجال اشتغالي، ولأن يونس لديه بعض التعثرات ويحتاج إلى بعض المساعدة منك.

قال الأب: فعلا هو دائما متعثر في كل شيء، تعبت من تنبيهه لكن دون جدوى. ولست أدري ما الحل؟

ابتسم يونس ونظر إلي نظرة تعني: ألم أقل لك؟

قلت للأب: وهل تعرف المشكلة؟

قال الأب: لم أفهم.

قلت: أقصد كيف يمكنك البحث عن الحل إذا كنت لا تعرف المشكلة أصلا؟

قال الأب: وهل هناك مشكلة أخرى غير تعثره الدراسي؟

قلت: التعثر الدراسي هو نتيجة وليس هو المشكلة.

قال الأب: أنت تخوفني، ما الذي يحدث؟ قل لي بسرعة فقد بدأت أقلق بشدة.

الحقيقة لمست من الأب حرصا كبيرا على ابنه.

قلت: لا تقلق أبدا، ليس هناك شيء يدعو إلى الخوف. الحمد لله كل الأمور على ما يرام. لكن يجب أن تعرف أن تعثر يونس الدراسي ليس سببه ضعف في ذكائه أو تخلف في عقله، أنا أعتقد أن له أسبابا أخرى، ولا يمكن معالجته إلا إذا تجاوزنا الأسباب. واليوم يريد يونس أن يخبرك بها، لكن أريدك أن تسمعه إلى الآخر وأن تفهم كلامه بقلبك وعقلك. هل يمكن أن تحقق له ذلك.

قال: طبعا، ولماذا لم يقل شيئا في البيت؟ لماذا عليّ أن أحضر هنا لأسمع منه؟

قلت: ستفهم كل شيء عندما يتحدث.

أشرت إلى يونس بالكلام.

قال يونس: ما سأقوله لك الآن، حاولت إخبارك به أكثر من مرة، لكنك لم تأخذه على محمل الجد. أبي أنا أحبك كما يحب كل ابن أباه، لكن معاملتك لي تحول حياتي إلى قطعة من الجحيم.

قاطعه الأب: أنا أريد مصلحتك و…

قاطعته: أرجوك أسي فلان، لا يشك أحد في ذلك، لكن اتركه ليكمل إلى الآخر حتى يسترسل في حديثه فلا تضيع منه الأفكار، وفي الآخر لك أن توضح موقفك كما تشاء.

عاد يونس للكلام: أنا أعرف أنك تحرص على مصلحتي لكن حرصك يتجاوز كل الحدود، لقد أصبحت أتحاشى لقاءك لأنه بمجرد ما تقع عيناك علي حتى تقذف في وجهي كلمات سامة يدوم مفعولها ساعات وأياما، لست مضطرا لإعادتها أمامك فأنت تحفظها جيدا. لقد كنت أنزوي لوحدي لأبكي طويلا وألعن وضعيتي، كرهت نفسي وكرهت عيشي، حاولت أن أكون كما تريد حتى أرى البسمة على شفتيك وألمح الرضا في عينيك، لكنك لا تلقي بالا لمحاولاتي التي أقوم بها على مضض فقط لأجلك، وكنتَ مركزا على هفواتي وسقطاتي. لم أعش نفسي يوما، لذلك كنت فاشلا في كل شيء، أنا أحاول أن أكون على الصورة التي تريدها أنت فلا أستطيع، لم تسألني رأيي يوما، ولم تبذل جهدا لتقنعني برأيك، كل ما يهمك هو أن أكون مثل معاذ، أصبحت أنا وأنت نتبع معاذ، حيث دار يجب أن ندور معه. أنا لست معاذا، أنا يونس.

ظل الأب مشدوها لابنه وكأنه يراه لأول مرة، فيما كان يونس واثقا من نفسه يتحدث بحرقة، ودموع يخنقها فتخنق صوته.

أضاف: هناك شباب كثر أفضل من معاذ، لماذا علي أن أصبح مثله هو لا أفضل منه، ومن قال أنه هو المثال. أبي أنا أحترق من الداخل، لا أشعر بحلاوة الحياة، لا أنا قادر على أن أحقق لك ما تريد، ولا أنا قادر على أن أحقق ما أريد. لا معنى لحياتي إذن، أنا لم أفكر في مغادرة البيت فقط، بل إني أفكر في الانتحار؛ هكذا سأرتاح أنا وأريحك مني ومن فشلي.

حملق الأب في ابنه، يحاول أن يفهم ما يجري، فيما استمر يونس: فقط أعطني فرصة لأقوم بشيء بعيدا عن نموذج معاذ، ولا تقارني به، وسترى أني أفضل منه. أنا لست متعثرا في دراستي، أنا أكره الدراسة فلا أجهد نفسي فيها… الشعبة العلمية لا تلائمني، أنت حشرتني فيها حشرا.. لقد تعبت وما عدت أستطيع الصبر، لو تعلم ما بداخلي…

ثم انهار باكيا…

ظلت نظرات الأب تائهة مصدومة، أشرت له بالكلام فيما كان ابنه يبكي. قال: لكن ما أقوله لك مجرد كلام للتشجيع حتى تكون لك الحافزية، أنا لم أقصد أن أجرحك، أنت ابني الوحيد.

قال يونس: ليس مهما أن تقصد أو لا تقصد، المهم هو ما الذي يحدث فعليا.. ما يحدث هو أنك تسبب لي جرحا عميقا، يزداد عمقا كلما تقدمتُ في السن. منذ كنت صغيرا حمَّلتني ما لا أطيق وبقيت مطيعا لك، أنا الآن أفقد قدرتي على التحمل، ويجب أن ينتهي كل هذا بأية طريقة، المهم هو أن ينتهي.

قال الأب: ولماذا لم تخبرني..

قاطعه يونس: حاولت أكثر من مرة لكنك لم تكن تسمعني، بل كنت تمعن في قتلي… ترد علي بكلام يؤذيني أكثر، كنت تصفني بالمخنث، فالرجل في نظرك لا يجب أن يتألم من الكلام القاسي وكأنه دون مشاعر.

قال الأب: هل كنت فعلا تفكر في مغادرة البيت أو الانتحار؟ ليس لهذه الدرجة.

قال يونس: أنا لم أكن أفكر في الانتحار، أنا تجاوزت مرحلة التفكير، إني أستعد له، الأمر بالنسبة لي مسألة وقت فقط.

كلمات نزلت علينا مثل الحجر.. فاجأتني كما فاجأت أباه. ألهذه الدرجة؟ هل يعني ما يقول؟ هل يمكن لكلمات عابرة طائشة أن تؤذي الإنسان لهذا الحد؟

اهتز الأب، وفغر فاه وتلعثم ثم ضاع وسط حروف أولى لكلمات لم تقنعه ليكملها: أنا… ولكن… ما… ثم قام من مكانه وعانق ابنه في لحظة إنسانية عميقة. حب كبير يختزنه هذا الأب لابنه، ولا يطيق فكرة غيابه حيا أو ميتا. عانقه بشدة فيما دخل يونس في نوبة بكاء، وكأنه عطشان يذوق عذوبة حب وعطف أبيه لأول مرة. لم يتمالك أبوه دموعه فأخفى وجهه فوق كتفي ابنه وقاسمه دموعه.

بعد لحظات قال الأب: أجننت، أتعتقد بأن حياتي ستحلو بدونك؟ هل أهون عليك؟ ليس لي إلا أنت، أرى فيك الحاضر والمستقبل، أرجوك لا تفكر في هذا مجددا.

كفكف يونس دموعه وغادر ليغسل وجهه.

نظر إلي الأب مشدوها وقال: هل هو جاد فيما يقول؟

قلت: أظن أنه كان صادقا معك إلى أبعد الحدود، وهو لا يطلب إلا أن تجود عليه ببعض المشاعر وتفهم مشاعره وتثق فيه.

قال: أنا أثق فيه طبعا، لم يحصل أن سبب لي أي مشكل في الحي أو المدرسة منذ كان صغيرا، الكل يثني على أخلاقه وأدبه وأنا أفتخر به.

قلت: هل سبق لك أن أخبرته بذلك.

غرق في ذاكرته طويلا ثم عاد قائلا: لا أتذكر.

قلت: هل سبق لك أن ذكرت أمامه محاسنه وعبرت عن افتخارك به أمام الناس.

كان يونس قد عاد وقبل أن يجلس أجاب مكان أبيه: لا أبدا، أمام الضيوف والعائلة يؤنبني باستمرار.

نظر إليه الأب بشفقة وقال: لم أقصد أن أجرحك، والله العظيم أردت أن أدفعك لتكون لك روح تنافسية أمام أقرانك.

قال يونس: من أقراني، معاذ؟ يا أبي يجب أن تقتنع أني لن أصبح أبدا مثل معاذ.

وأضفت: وهذا لا يعني أن يونس سيكون أقل منه شأنا، بل يمكن أن ينجح فيما لم ينجح فيه معاذ.

بدا الأب تائها وقلقا من تهديد يونس بمغادرة البيت أو الانتحار، قلت ليونس: كيف تشعر الآن؟

قال: أنا أكثر راحة، لأول مرة يسمعني إلى الآخر كان دائما يقاطعني ويخنق كلماتي في مهدها.. والفضل يرجع لك. أنا قلت ما عندي، هذا كل شيء.

قلت له: وماذا تريد من أبيك؟

قال: أن يحترمني ويتوقف عن سبي وشتمي وانتقادي.

قال الأب: لن أعود لذلك أبدا.

قلت ملطفا الأجواء: هل ستستقيل من وظيفة الأب؟

قال: يبدو أني لم أكن ناجحا في وظيفتي.

قلت: بالعكس، أن يكون لك ابن مثل يونس فهذا دليل على أنك ناجح بنسبة كبيرة، فقط هناك بعض الخلل في نظرتك للتحفيز، وشخصية يونس حساسة نوعا ما، وهذا شيء طبيعي وليس عيبا، فالله خلقنا مختلفين. كما أن دورك كأب لا ينبغي أن ينقطع تماما، فهو سيحتاجك دائما إلى جواره، تساعده على الاختيار وتفيده بتجربتك وخبرتك لكن من منطلق المساعد الموضح وليس من موقع متخذ القرار وفارضه.

قال: إن شاء الله، لكن عدني ألا تفكر مرة أخرى في المغادرة.

قال يونس: ليس سهلا عليّ أن أترككم.

قلت: ليستمر التواصل دائما بينكما، كلما شعرت بشيء فاتح أباك فيه عاجلا ولا تجعله يتراكم. وأنت أيها الأب انفرد بابنك وناقشه فيما لا يعجبك، وتوقف عن توجيه الكلام القاسي أمام الغير بما في ذلك أخواته.

قال الأب: سأكون رهن إشارته.

قال يونس: وأنا أعدك أن أكون الابن الذي يجعلك ترفع رأسك عاليا. لكن لدي طلب الآن.

قال الأب: أطلب.

قال يونس: أريد أن أغير شعبتي إلى الآداب بدل العلوم.

يبدو أن الأب سيخوض أول امتحان على قدرته بالالتزام بما وعد به.

قال الأب: لكن لماذا؟

قال يونس: أنا لا أحب هذه الشعبة ولا موادها ولا أنوي أن أبني مستقبلي عليها.

تحدثا كثيرا في الموضوع وتردد الأب طويلا قبل أن يوافق، بعد أن وضحت له أن شعبة الآداب ليست شرا، وأن آفاقها يمكن أن تكون أفضل من الشعبة العلمية لو كان يونس سيتميز فيها فعلا.

وافق الأب على مضض، ثم أنزلتُ عليه صاعقة أخرى، كانت بمثابة امتحان حقيقي له، قلت: يونس الآن في السنة النهائية من البكالوريا، وغير متاح له قانونيا أن يغير الشعبة العلمية إلى الآداب إلا إذا تقدم بطلب تكرار يعيده إلى السنة التي قبلها، ثم نغير له الشعبة وفق مسطرة استثنائية.

رفض الأب رفضا قاطعا، وقال لابنه: أكمل هذه السنة وعندما تحصل على البكالوريا اختر التخصص الذي تريد. التكرار ممنوع لن أقبل به.

سألته: هل تعرف معدل ابنك في الامتحان الجهوي؟ هل تعرف أن قدراته في المواد العلمية لن تمكنه من الحصول على معدل في الامتحان الوطني يعوض نقصه؟ لذلك من المحتمل أن يكرر مرارا دون جدوى. الأمر أصعب مما تتصور.

صُدم أمام معدل الامتحان الجهوي الضعيف جدا، والذي لن يحصل به يونس على شهادة الباكالوريا إلا بمعجزة.. بعد نقاش طويل حول نظام الدراسة والتقويم في البكالوريا واحتمالات الفصل من الدراسة، قال: دعني أفكر.. هذا قرار صعب، وهمّ بالمغادرة.

قلت له: أمامك يوم واحد للتفكير، لأن آخر موعد لتغيير التوجيه هو غدا.

غادر يونس وأباه وهما متعانقان.. انتهت مقابلتي، كسبا بعضهما وكسبت صديقين؛ يونس وأباه.

تقدم يونس بطلب تكرار السنة الأولى بكالوريا، وغير شعبته إلى الآداب والعلوم الإنسانية، وحصل على بكالوريا بميزة مستحسن، واختار تخصص علم الاجتماع، وعلمت بعد سنوات أنه سجل دكتوراه في تخصصه، أظنه اليوم أنه قد نالها.

**********************

أيها المربون؛ مدرسون وآباء، إن الفروق الفردية بين التلاميذ لا تهم فقط قدراتهم العقلية التحصيلية، بل إنها تمس أيضا بنيتهم النفسية. فالكلمات السلبية التي لا تكاد تهز مشاعر البعض منهم لأنهم يملكون ميكانزمات دفاعية لصدها، قد تشكل لدى البعض الآخر حدثا فارقا في حياتهم كلها. والتواصل وحده يمكنكم من تمييز الفروق النفسية.. فلا تغلقوا أبوابه أبدا.