استقى موقع مومنات.نت تصريحا من الباحثة والأستاذة الجامعية الدكتورة أمينة البوسعداني، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية والمكتب القطري للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، استقرأ من خلاله رأيها في الشروط الأخيرة التي أعلنت عنها وزارة التربية الوطنية المتمثلة في تسقيف سن الولوج إلى الوظيفة من 45 سنة إلى 30 سنة، واعتماد الانتقاء الأولي لاختيار ملفات المرشحين. هذا نصه:


منذ سنوات عديدة، و‏بفعل الارتفاع المهول في نسبة البطالة و‏ندرة فرص التشغيل أمام الشباب أضحى إعلان مباريات توظيف أطر التدريس موعدا سنويا ‏ينتظره مئات الآلاف من الشباب المغاربة، يستعدون   له طيلة أشهر ماديا ومعنويا أملا في الحصول على عمل يضمن لهم ولأسرهم العيش الكريم.

‏هذه السنة، وبينما لا يزال الجميع ‏يلملم نفسه من تداعيات كورونا (البطالة، والكساد الاقتصادي، والتوتر والاحتقان الاجتماعي…)، طلعت علينا الوزارة الوصية عن قطاع التعليم بشروط جديدة لهذه المباراة؛ محددة سقفا لسن ‏المترشحين في 30 سنة وانتقاء لمؤهلاتهم العلمية انطلاقا من شهادة البكالوريا؛ وبهذا الصدد اسمحوا لي أن أتقدم بمجموعة من الملاحظات والتساؤلات:

‏أولا؛ إن هذا القرار “التاريخي” الذي يعد سابقة في هذه المباريات والذي يحرم مئات الآلاف من الشباب من حقهم في الترشح لمؤشر وكاشف لمدى التخبط الكبير الذي يشوب تدبير قطاع يفترض أن يكون استراتيجيا. فما معنى أن ‏نحدد تارة سن الخامسة والأربعين كحد لسن الترشح للمباراة، ثم نزيل ‏بعد ذلك هذا السقف ونفتح الباب أمام الجميع، ثم نعود تارة أخرى للتسقيف لكن ‏مع ‏خفضه إلى عتبة الثلاثين؟ أي مبرر منطقي ومقنع لهذا التذبذب في الرؤية خارج المبرر الاقتصادي الخالص؟ لماذا لم يصاحب هذا الخفض أيضا بخفض في سن التقاعد كي نزيد من نسبة تشبيب القطاع؟

‏أسئلة حين يحاول المسؤولون الإجابة عنها تظهر إجاباتهم متهافتة حتى يكاد يبدو جليا للعيان عدم اقتناع أصحابها بها.

 ثانيا؛ بالنسبة لعملية الانتقاء الأولي: بداية ‏أؤكد أن الأمر ليس ‏جديدا لأنه كان هناك دائما انتقاء سابق غير مصرح به من طرف وزارة الداخلية، لكن على غير ‏الأسس العلمية. الآن إذا كان هذا الشرط “عاديا” في بعض المباريات التي يترشح ‏لها ذوو مؤهلات وشواهد متشابهة، فإنه، ‏في حالة مباراة التعليم، يشوبه عيوب كثيرة تضرب في ‏العمق مبدأ تكافؤ الفرص؛ ‏إذ المترشحون ينحدرون من مؤسسات ذات طبيعة مختلفة ويحملون مؤهلات وشواهد متعددة وينتمون إلى تخصصات متباينة، بالإضافة إلى ذلك هناك غموض في المعايير المعتمدة لهذا الانتقاء.

‏من جهة أخرى؛ ألا يحق لنا أن نتساءل مقابل هذا الحرص الشديد عن المدى الذي بلَغته مراجعة الأدوات التي تقاس بها الكفاءة المبحوث عنها عبر هذه المباريات، وعن معايير النجاح فيها؛ هل هو الاستحقاق أم عدد المناصب المتبارى بشأنها؟ ثم كذلك عن سحب البساط من مراكز التكوين في ما يخص تكوين وتأهيل هذه الفئة، واتخاذ قرارات الكفاءة من عدمها .

‏إن ‏مبرر جذب الكفاءات هو مبرر متهاو لأن حقيقة الأمر التي لا مناص لنا من مواجهتها هي أن أغلب هؤلاء الشباب والكهول أحيانا لا يلجون مهنة التعليم، بشروطها الآنية، عن حب وقناعة، بل باعتبارها فرصة أخيرة – وأحيانا وحيدة – لضمان العيش الكريم. أما جذب الكفاءات حقا وإعادة جاذبية المهنة، ومعها الثقة في المدرسة العمومية، فتتطلب إرادة سياسية حقيقية لتحقيق تغيير عميق يمس كل عناصر منظومة التعليم. ومن أهم هذه العناصر إعادة الاعتبار لرجال ونساء التعليم وضمان استقرار المهنة، التي ‏تكاد تصبح شيئا فشيئا، مهنة هشة، ثم توفير الإمكانيات وشروط العمل الضرورية.

إن تجويد منظومة التعليم لا يبدأ، بالأكيد، بتسقيف سن المترشحين، ولا‏ يقتصر على البحث عن الكفاءات، لأن جعل أجود الكفاءات تعمل في الشروط الآنية لا يكون إلا كمن يفرغ ماء عذبا في رمال صحراء قاحلة .

‏ختاما أقول: إن هذا الزخم والنقاش العام الذي صاحب هذا الإعلان هو في نظري محاولة للإلهاء وتهريب النقاش والنضال المجتمعيين نحو أمور تقنية، وتحويلها عن القضايا الاستراتيجية لبلادنا؛ سواء الخاصة بقطاع التعليم وما ينخر فيه من‏ أعطاب، أو بقضايا الوطن عموما، وأخص بها هذا التسارع المحموم في التطبيع مع الكيان الصهيوني ‏على جميع الأصعدة والمستويات.