بمناسبة إحياء الذكرى التاسعة لرحيل الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، وباعتبارها محطة لتجديد الوفاء مع صاحب الذكرى ومع ما خلفه من إرث مادي ومعنوي، ارتأى أعضاء جماعة العدل والإحسان تقريب تلك المعاني من خلال نشر تدوينات اختارت الاجتماع على هاشتاج #علمني_الإمام؛ وهي شهادات تسترجع روح ما نهلوا من معين صحبة الإمام وصحبة من صحب، مواقف بقيت راسخة في قلوب أبنائه وبناته، تستأذن عطر المناسبة، لتصل الرحم توثيقا لجمال اللحظة وما تحمله، إذ هي جزء من تربيته وفكره ودعوته.. طبعت ذاكرة المنتمي إلى الجماعة وشكلت لحظة فارقة في حياته.. هي إذن نتاج مسيرة من العلم والجهاد، أخذا عن الإمام قولا وفعلا وحالا.
ونظرا لما لهذه الشهادات من قيمة في الإنباء عن جانب من دعوة العدل والإحسان، سينشر الموقع بعضا منها. ونقدم في حلقة اليوم شهادة للأستاذة نادية بلغازي، عضو الهيئة العامة للعمل النسائي بالجماعة.


عظيمة هي المعاني التي علمناها الإمام رحمه الله تعالى، ويكفيه فخرا وقربا وفضلا أنه دليلنا إلى الله تعالى الذي ما فتئ ينادي: “من هنا الطريق، من هنا البداية”، ويكفيه فخرا ووصلا وفضلا أنه جمعنا ضمن جسم قوي فاعل ومتحرك في واقع الأمة على الله الواحد وعلى التهمم بأحوال المستضعفين، فتعلمنا أن الإحسان، الذي هو مطلب غائي نتشوف إليه لا يستقيم بلا عدل، كيف والجائع يئن تحت وطأة الطوى والمظلوم يتجرع مظلوميته لا يكاد يستسيغها، والمحتاج يصير عبدا للحاجة وهم الخبز… فيحجب كل هؤلاء مطالب حياتية محضة عن معرفة معبودهم؛ فتعلمنا أن العدل عماد العمران، ومبادرة إلى هموم الأمة، واستقامة في الحقوق ونصفة في قسمة الأرزاق، وكما هو ضروري لضمان الاستقرار الاجتماعي في دولة القانون، ضروري لصيانة مسيرة العبد إلى آخرته حتى لا يفتنه عنها هم المعاش وظلم العباد.

كما تعلمنا أن الإحسان كما هو تعلق بالله تعالى، وملازمة لطاعته، وخضوع لجلاله، هو إحسان إلى الناس، وإحسان للعمل، وإجادة وإفادة.

تعلمنا أن الإحسان ضروري لاطمئنان السير إلى الله تعالى ولبث الأمان في دنيا الأنام، بوجوده، كما كتب، رحمه الله تعالى ذات يوم: “لن ندعو أبدا إلى الحل الصراعي العنيف”، وكما وجه في كتابه الإحسان محددا مواصفات المؤمن الصالح: “علاقته بربه تكون إحسانية إن حافظ على ذكره لا يفتر عن مراقبته وخشيته ورجائه ودعائه ومناجاته. بهذا الإحسان في عبادة ربه يطيب قلبه وتجمل أخلاقه وتصلح مزاياه وأفعاله، فيكون للخلق رحمة يعم نفعه العالم الأقرب فالأقرب. ونفعه للمجتمع والناس كافة لا يتوقف على حسن النية وجمال القصد والإسراع إلى الفعل فقط، بل يتوقف أيضا، وبالمكانة المؤكدة، على خبرته ومهارته وقدرته على إتقان ما هو موكول إليه من أعمال”، فتعلمنا بهذا البيان المجلي أن إضاعة العدل إضاعة للمقصد الأسمى من الشريعة في حفظ الحقوق، وحمل شعار العدل وحده مجرد ضوضاء وسقوط في حركية مفرطة ملهية عن الله تعالى إن فقد مرمى الإحسان أو ذهبت معانيه والعياذ بالله، كما لو غلب الجانب التعبدي الفردي بمعزل عن احتياجات الأمة وهمومها وأنات المظلومين وذوي الحاجة، انزوت التزكية وغلبت الدروشة وعطل واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

متلازمة ضرورية لتحقيق مراد الله تعالى من خلقه عبودية ووصلا، ونصفة وعدلا.

علمنا، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، ألا نرضى كما في رسالته التذكيرية “بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا نرضى بغاية تتطلع إليها همم المؤمنين والمؤمنات دون الإحسان”. لا بد للإعداد والإمداد من النية الخالصة، والهمة العالية، ودوام الطلب، وورد الذكر جنبا إلى جنب ورد إعداد القوة، وورد تقويض خيمة الباطل.

علمنا أن اليد الواحدة لا تصفق، وأن الانعزالية مقيتة، وأن الاستقالة عن هموم الأمة إخلال ونقض، وأن بتنظيمنا الجماعي المحكم وقوتنا الاقتحامية الجماعية تناط عملية التغيير، لأن التشتت مآله تشتت حاضر الأمة ومستقبلها، والانجماع على الله تعالى عدلا وإحسانا حري به تحقيق التناغم الضروري في بناء مجتمعات العمران الأخوي التي تزهر بحمل روح المسجد إلى الواقع لإحسان عمارة الأرض بالخير، وعمارة العلاقات الإنسانية بالرحمة والأخوة الجامعة والبر الشامل.

كثيرة هي المعاني التي علمناها، جدد الله عليه الرحمات بلا حد ولا عد، وعلى زوجه الأريبة وكل من سبق ولحق، لكني في هذا الصدد أختم بواحدة؛ ذلك أن من لا يستطيع أن يقف في أرض العبودية بين يدي الله تعالى ساعة في الليل، أنى له أن يقف في أرض الخلق ساعات في النهار سبحا ومجاهدة ومنافحة.