ذكّرت الأستاذة حبيبة حمداوي أمينة الهيئة العامة للعمل النسائي لجماعة العدل والإحسان، في حوار أجريناه معها بمناسة ذكرى رحيل الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، بمكانة المرأة في فكر الجماعة وممارستها، وبدورها في التغيير المجتمعي المنشود. وبسطت المداخل الممكنة لهذا التغيير، خصوصا فيما يتعلق بالمرأة. وتحدثت عن الحوار مع الفرقاء المجتمعيين وأهميته، ومداخله، ومعيقاته.. هذا نص الحوار:


اخترتم موضوع “السؤال المجتمعي في المغرب” للنقاش والتداول في ذكرى رحيل الإمام عبد السلام ياسين التاسعة، نحب أولا أن نعرف مكانة المرأة في المجتمع عند جماعة العدل والإحسان فكرا وممارسة.

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

بداية نجدد الرحمات على الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. ونحن نحيي ذكرى الوفاء التاسعة، نجدد له الوفاء ولمشروعه الضخم، وإرثه العظيم الذي كرس حياته من أجله، مساهمة منه لإحياء الربانية في الأمة.

وأقدم تشكراتي للساهرين على هذا المنبر الحر المتميز بالكلمة المسؤولة والرأي الحر، الحامل لرسالة الرحمة إلى العالم.

جوابا على سؤالكم أقول: تعتبر المرأة ركيزة أساسية في بناء جماعة العدل والإحسان، بما تحظى به من مكانة متميزة على مستوى التصور، وكذا حضورها القوي في المؤسسات، وفاعليتها في المجتمع.

ولعل ما منحها هذه المكانة هو التصور الذي أثله الإمام المجدد رحمه الله وحملت لواءه نساء ورجال الجماعة على حد سواء، تصور يربط المرأة بخالقها وبمصيرها الأخروي، وبمقاصد الشريعة وقضايا الأمة، إذ يخرجها من وضعية الركون في الهامش الضيق إلى فضاء المشاركة المسؤولة في صناعة المستقبل وتعبئة الأمة.

ومكانة المرأة في مشروع العدل والإحسان نابعة من قناعة راسخة بضرورة النهوض بأحوال المرأة وما تعانيه؛ من جهل وتفقير وإقصاء وهشاشة، لتحقيق الغايتين العدلية والإحسانية.

وقد حققت المرأة في العدل والإحسان تطورا متميزا وحضورا قويا عبر الانخراط في كل مجالات العمل داخل الجماعة؛ التربوية والتكوينية والتعليمية والدعوية والسياسية.

كما تعمل على إحياء المعاني الإيمانية في المجتمع، والحفاظ على الهوية الإسلامية، ثم التهمم بالقضايا العادلة لعامة النساء، وذلك بحضور إيجابي متوازن في شتى المجالات.

هذا مع الانفتاح على كل الفعاليات النسائية والمثقفات وعموم النخب سعيا لخلق فضاء مشترك للعمل، وتأسيسا للحوار من خلال المساهمة في الندوات والملتقيات، وكذا الحضور الإعلامي، بهدف تقريب وجهات النظر إيمانا منها بمقولة “ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا”.

كما تميزت نساء العدل والإحسان بحضورهن القوي والمتميز في الاحتجاجات والمظاهرات التي تنظمها الجماعة مع مختلف المكونات في المجتمع دفاعا عن قضايا الوطن والأمة.

للمرأة إذن دورها في التغيير المجتمعي المنشود؛ تصورا وحركة. ما هي، في نظركم، مداخل هذا التغيير؟

لا يختلف اثنان أن ضرورة التغيير أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى عند كل الأطياف، السياسية والحزبية والجمعوية والنقابية.. بالرغم من الاختلاف حول طبيعة هذا التغيير ومداخله.

وفي تصور الجماعة يعتبر التغيير مصيريا، يبدأ من تغيير ما بالنفس، سيرا على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دلت عليه الآية الكريمة إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ، ثم سعيا وراء إحقاق الحق ورفع الظلم وإخراج العباد من جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

والمرأة لا تخرج عن محورية الإنسان في التغيير شأنها شأن الرجل، فهي شقيقته في الأحكام وهما سواسية في التكليف، ومعنية مثله باستكمال الإيمان، ومدعوة إلى بناء المعروف والنهي عن المنكر في إطار الولاية التامة بين المومنين والمومنات كما ورد في القرآن الكريم، ولها مهمة الحفاظ على الفطرة السليمة والمساهمة بشكل فعال في تنشئة الأجيال بدءا من أسرتها إلى البناء المجتمعي متزعمة لا تابعة.

ويمكن أن نجمل مداخل التغيير فيما يلي:

1- المدخل التربوي: أساسه الإنسان، قلبه وعقله وإرادته، وبصلاحه يصلح المجتمع وتصلح الأمة، تأسيا برسول الله عليه الصلاة والسلام حيث عمل على إصلاح المجتمع الجاهلي وما فيه من ظلم واستعباد وتخلف إلى علم وعدل وعزة وأخوة.

وقد قال الإمام المجدد رحمه الله في كتاب سنة الله، متحدثا عن ضرورة إصلاح القلوب “جماع الداء فتنة القلوب ومرضها صممها، انغلاقها قسوتها، وجماع العلاج شرحها بالإسلام وإلانتها بالإيمان واطمئنانها بذكر الله”.

2- المدخل الفقهي: على اعتبار أن انحباس الفقه وما تبعه من تقاليد وعادات موروثة، ضيقت على المرأة في شتى المجالات حتى أضحت عبئا ثقيلا على الأمة، أفضى إلى التفكير في ضرورة الاجتهاد، اجتهادا جماعيا ينهل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويستلهم النموذج من أمهات المؤمنين والصحابيات رضي الله عنهن أجمعين، حيث ساهمن في بناء ذواتهن والمجتمع، وأعطين النموذج الأمثل لبناء الأمة، ويعتبر مشروع “إعداد عالمات” تتوفر لديهن شروط الاجتهاد تسمح بإعادة قراءة النصوص القرآنية وإحياء السنة، نموذج مهم أطلقته الجماعة في باب الاجتهاد.

3- المدخل القانوني: باعتباره من المداخل المهمة التي يمكنها أن تحمي المرأة ومعها المجتمع من المعاملات الشاذة والحاطة للكرامة الآدمية، وتضمن لها الحقوق الأساسية، وقبل هذا وذاك إعطاء الأولوية لإحداث تغييرات في البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإعطاء الأولوية لبناء العنصر البشري وإشاعة قيم الرحمة والعدل في المجتمع.

4- المدخل السياسي: الذي يسمح بالتقاء مكونات المجتمع وقواه السياسية والعلمية والحقوقية والنقابية.. بمختلف مشاربها وتوجهاتها من أجل بناء جبهة وطنية قوية قادرة على إحداث تغيير شامل، وقوة اقتحامية جادة في المجتمع، والمرأة جزء مهم فيها، يقول الإمام: “لو أصبح المسلمون فردا فردا على أتقى قلب رجل واحد منهم ولو اجتهدوا في الأعمال الصالحة الفردية ما اجتهدوا ثم لم يؤلفوا قوة اقتحامية جماعية تكون المرأة فيها فعالة، لفاتهم فردا فردا درجة الجهاد، ثم لفات الأمة ما فاتهم ولتردت الأمة بترديهم عن الدرجة العالية ولتبدد حاضرها وضاع مستقبلها بتبدد إرادتهم وتشتتها. ألفنا فيما قرأناه من الأدبيات الإسلامية أن نتحدث كثيرا عن حال الأم ومصيرها مفصولين عن حال المؤمنات والمؤمنين في الآخرة”.

الشيء الذي يستوجب فتح حوار هادئ رصين وجاد، يستوعب الاختلاف ويسعى إلى توسيع قاعدة المشترك وبناء وطن تتعايش فيه كل الأطياف.

تحدثتم عن الحوار وأهميته في التغيير، فهل هو اختيار يتعلق بالظروف الحالية للبلد أم أن الأمر استراتيجي بالنسبة لكم؟

يعتبر الحوار أحد المبادئ المهمة والجوهرية في مشروع الإمام منذ بداياته الأولى، وصار على هذا النهج، وسعى إليه من خلال محاوراته مع مختلف الأطياف في المجتمع، والجماعة تبنت هذا الخيار كسبيل لبناء العمل السياسي الجاد والمشترك لقطع دابر الفساد والاستبداد. ونورد هنا نصا للإمام المجدد، مخاطبا الفضلاء قائلا: “وأنتم جزء لا يتجزأ من الأمة والقفز على حضوركم وكأنكم عدم وهم لا يساور عقولنا، فلا مناص من التعامل بيننا”.

والأمة تمر بأشد فترة من التمزق والتشتت والضعف، ما يحتم علينا مد الجسور والتواصل وتكثيف قنوات الحوار الهادئ المتزن، ولمّ الشمل. وحوارنا مع مختلف الأطياف السياسية ليس ضرورة أملتها الظروف الراهنة وإنما هو واجب دعوي منبثق من صميم رؤيتنا وتصور جماعتنا.

وقد أسست الجماعة اليوم الوطني للحوار وكررت الدعوات له، كما أنها مستمرة في الاستجابة كلما أتيحت الفرص للعمل المشترك.

انطلاقا من مبادراتكم المتكررة في الحوار مع النخب الوطنية، ما هي أهم المعيقات التي واجهتموها؟

للحوار معيقات مرتبطة بغياب الاستعداد النفسي لدى الأفراد والجماعات، الناتج بكل تأكيد عن النزعة الاستبدادية التي غيبت التربية عن ثقافة الحوار بين الناس، وهنا أشير إلى عقبتين أساسيتين:

– العقبات الفكرية: تندرج تحتها اختلاف المرجعيات والانتماءات الإيديولوجية، وسيادة منطق الإقصاء، ثم عدم القدرة على التوافق حول أفق التغيير وسقفه وأولوياته.

– العقبات الموضوعية: مرتبطة بالتعددية السياسية الشكلية غير الفاعلة وغير المستقلة، ثم احتواء النخب، وشراء الذمم، وإقصاء المعارضين.

فهل لكم من رسالة تقدمونها إلى بقية الأطياف المجتمعية؟

نؤكد أن التغيير المطلوب لا بد له من تربية، هدفها تغيير ما بالنفس نحو الإحسان وما بالأمة نحو الأخوة والعدل والحرية، وهذا لن يتأتى إلا ببناء الإنسان (رجل وامرأة)، وتمكينه، وتحرير إرادته، وتمليكه حريته، وتحريره من العبودية لغير الله تعالى، ثم إتاحة الفرص أمامه لحياة كريمة تفي باحتياجاته دون أن يكبله الفقر والجوع والمرض. والمرأة أشد حاجة إلى هذا البناء وهذا الإعداد، وهو شعار تحمله نساء العدل والإحسان وتعمل عليه؛ مؤمنة بالتنوع وبناء المشترك مع الآخر، وفقا لقول الإمام في كتاب الإسلام والحداثة: “نمد لكم اليد أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية مهما كانت اعتقاداتكم، ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم، إننا سنبقى دائما على استعداد وكلنا عزم وثقة في رحمة الله عز وجل لمد اليد إلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل، سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان…”.