مداخلة خلال ندوة: “المرأة والنموذج التنموي الجديد بين التنظير والتنزيل” (الأحد 6 مارس 2022)

مقدمة

إن موضوع المرأة في علاقتها بالتنمية هو موضوع مهم جدا، لمن صعب في نفس الآن، وتناوله في الحالة المغربية أهم وأصعب.

لقد أضحى المدى الذي تستفيده المرأة من التنمية، ومدى حضورها فيها، من المؤشرات الدالة التي يقاس بها تقدم أو تخلف المجتمعات. لكنني أعتبر أن تناوله في معزل عن التنمية المجتمعية عامة، هو فصل لما لا يمكن أن ينفصل. لذلك سأنحو في مداخلتي هاته من العام الى الخاص؛ فأتناول بالحديث الشروط والمقومات الضرورية لنجاح أي مشروع تنموي، ثم أعرج بعد ذلك على بعض الشروط الإضافية الخاصة بالتنمية والمرأة سواء باعتبارها موضوعا لها أو فاعلا فيها.

بين أيدينا في المغرب خمسون سنة من المحاولات الإصلاحية والإنمائية المتكررة والفاشلة، باعتراف أعلى سلطة في البلد، وبين أيدينا الآن مشروع تنموي جديد. فهل يملك هذا المشروع الجديد من مقومات النجاح ما لم تملكه المشاريع السابقة؟

أسئلة مشروعة

لماذا فشلت كل المشاريع الإصلاحية في المغرب في تحقيق ما سطر لها من أهداف؟ ومعها طبعا كل المشاريع والخطط والاستراتيجيات التي استهدفت تنمية النساء المغربيات أو إدماجهن في التنمية؟

لماذا لم ننجح منذ خمسين سنة في تحقيق إقلاع تنموي على الرغم مما نملكه من إمكانات وثروات وطاقات، ونجحت دول أخرى تملك أقل من ذلك؟

من المسؤول عن هذا الفشل؟ ومن الذي حوسب عليه؟ لأنه بالضرورة لابد عند سنة 2035، إن شاء الله، عندما يبلغ المشروع مداه من مساءلة ومحاسبة النتائج، فمن سيحاسب من؟

ما هي إذن الشروط الضرورية لأي إقلاع تنموي حقيقي يمكن المرأة مما تستحق من تنمية، ويجعلها حاضرة ومشاركة فيها؟

أسباب وأسباب

ان اعتراف المسؤولين بالفشل وإحداث ضجة بين الفينة والأخرى لا يكفي ولا يغني، بل ينبغي وضع الأصبع على الأسباب الحقيقية وراء هذا الفشل، وإلا سيكون من العبث إعادة تجريب المجرب.

حاولت لجنة النموذج التنموي التوصل إلى هذه الأسباب من خلال منهجية؛ ضمت من بين إجراءاتها الإنصات لمجموعة من الشخصيات والمؤسسات من حيثيات مختلفة، فخلصت في تقريرها إلى أربعة أسباب:

1- غياب تناسق عمودي بين الرؤية والسياسات العمومية، وغياب الالتقاء الأفقي بين هذه الأخيرة.

2- البطء في التحول البنيوي للاقتصاد.

3- محدودية قدرة المؤسسات العمومية على تقديم خدمات جيدة.

4- الشعور بضعف الحماية.

إن المتأمل لهذه الأسباب ليتبين بوضوح أنها تقنية محضة، وتمثل تجليات وأعراض الأسباب الحقيقية.

ويتعلق الأمر بخنق للبيئة المناسبة للتنمية، وسطو على الموارد اللازمة للتنمية.

وتتمثل المسببات في الاستبداد والفساد وزواج الثروة بالسلطة.

وطبيعة النظام السياسي المغربي السلطوية، تكرس استدامة الفوارق الاجتماعية والمجالية، مما ينعكس على كل السياسات العمومية والمشاريع التنموية.

فالتحكم والوصاية ومصادرة الرأي المخالف وتجميد أغلب القوى المجتمعية، يؤدي إلى بيئة تكمم فيها الأفواه وتكبل فيها الإرادات وتهدر فيها الطاقات وتهتز فيها الثقة. فكيف يحدث إذا انخراط في التنمية؟

من جهة أخرى يستولي الفساد على أغلب الموارد والثروات، مستقويا في ذلك بالسلطة التي تمكنه منها، مما يؤدي بالبلد إلى فقدان أغلب وأغلى موارده لصالح أفراد قلائل، خصوصا مع غياب العدالة الناجزة ومبدأ فصل السلط. فبماذا إذن ستحقق هذه التنمية؟

إن نجاح أية عملية تنموية يتطلب تحريرا للثروات والموارد، وتحريرا للطاقات والكفاءات، وتحريرا للمؤسسات والفضاءات، وتحريرا للمخرجات والثمرات.

شروط لابد منها

للوصول إلى ذلك لابد من مدخلين:

– مدخل سياسي دستوري، يمر عبر:

* إحداث قطيعة مع الممارسات السابقة، من خلال الإقرار بديمقراطية حقيقية تنبع فيها الرؤى الاستراتيجية والسياسات العمومية من الإرادة الشعبية، وعبر مؤسسات تمثيلية حقيقية تخضع للمساءلة والمحاسبة.

* طلاق السلطة والثروة، والقطع مع اقتصاد الريع والولاءات، حتى يتم تحرير الثروات والموارد، ويضمن التوزيع العادل للثروات والنواتج.

هكذا فقط يتم إعطاء إشارات قوية من أجل بناء الثقة المجتمعية، إذ إن الانخراط المجتمعي القوي والاحتضان الشعبي للمشاريع التنموية شرط لازم في نجاحها.

– مدخل تربوي مجتمعي؛ من خلال:

* إعطاء الأولوية والأهمية الكبرى للعامل البشري؛ تربية وتعليما وعناية واهتماما.

* التحديد الواضح لطبيعة القيم والمبادئ والتصورات للكون والحياة.

بعد ذلك لا قبله، نستطيع أن نقول إننا وضعنا قطاع التنمية على سكته. ولكن إلى أية وجهة؟

أية تنمية؟

– تنمية شاملة لجميع جوانب الإنسان؛ ذكره وأنثاه: سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، بيئية، تربوية وروحية. لا تنبني على النظرة المادية الغافلة عن رسالة الإنسان في الدنيا ومصيره في الآخرة.

وإلا فالنتيجة؛ تبذير، وإفساد للبيئة، واستنزاف للثروات، وخرق للقيم الإنسانية، وسحق للمستضعفين ولأجيال المستقبل.

– تنمية وليدة بيئتها تتغذى من أفكارها وتتأثر بثقافتها، وإلا أضحت آلية للتحكم وعاملا للتغريب.

لابد من نموذج تنموي وطني، منفتح -نعم- على تجارب الآخرين، لكنه ينبع من الإرادة والاحتياجات المحلية، يحترم الخصوصيات ويأخذ بعين الاعتبار الإمكانات المادية والبشرية، كما يستحضر الإكراهات والمعيقات.

ومن احترام خصوصيات الشعوب إلى احترام خصوصيات النساء في هذا المسار التنموي.

المرأة والتنمية

إن للمرأة الحق، كل الحق، في التنمية، ودورها في تحصيلها لا شك حاسم وفاصل. لكن إصلاح ما أفسدته الممارسات الخاطئة تجاه المرأة، وما أهدر من حقوقها، أو ما تخلت عنه جهلا أو ضعفا، لا قيمة له إن انقطعت عن حقها الأخروي وحرصها على أداء وظائفها الأولى والأساسية في تقوية دعائم الأسرة، النواة الصلبة للمجتمع، وفي صناعة الأجيال البانية لهذا المجتمع.

فالسؤال الذي يطرح على كل مشروع تنموي جاد هو: كيف نساعد المرأة ونمكنها من الاضطلاع بأدوارها المجتمعية التنموية كاملة، ومن إجابة نداء سعادتها الأخروية في انسجام وتناغم ودونما انفصام نكد.

تحديات وعقبات

بين أيدينا تجربة مضيئة قصيرة، وبالمقابل تاريخ طويل وحاضر موسوم بضعف كبير في مؤهلات وقدرات النساء من جهة وفي حجم مشاركتهن من جهة أخرى. ورغم التقدم النسبي الملاحظ إلا أنه ما زالت أمامنا تحديات كبرى في علاقة المرأة بالتنمية؛ مستفيدة ومفيدة، موضوعا وفاعلا. نجمل أهمها فيما يلي:

– التحدي السياسي: إن بيئة سمتها التحكم والوصاية والتضييق على الرأي المخالف ومحاصرة كل مناضل ومناضلة، وكل معارض ومعارضة، لهي بيئة لا تستطيع المرأة، وهي الحلقة الأضعف في السلسلة، أن تنمي إمكاناتها وقدراتها، ولا أن تبادر فيها وتسمع صوتها.

– التحدي الاجتماعي والثقافي: إن مجتمعنا، شئنا أم أبينا، هو مجتمع متشبع بنظرة دونية محتقرة لشأن المرأة وأدوارها المجتمعية، وذلك نتيجة أعراف وعادات، بل وحتى تأويلات متعسفة لبعض نصوص الشريعة الإسلامية. هذه النظرة تحكم انتظارات المجتمع منها، بل تحكم نظرة المرأة إلى نفسها وإلى بنات جنسها.

– التحدي القانوني: حيث ما تزال مجموعة من المسائل العالقة والمناطق الضبابية التي يلزم إعمال الفكر فيها وتجديد النظر. لكن المغرب، عموما، يملك ترسانة مهمة من التشريعات والقوانين والبنيات والمؤسسات التي يفترض فيها تحسين بعض جوانب عيش النساء، إلا أن تغطيتها ضعيفة وثمارها لا تكاد تظهر على أرض الواقع، والسبب غياب الإرادة السياسية والفساد وتعدد المتدخلين، إضافة إلى تعقيد المساطر الإدارية.

– التحدي الاقتصادي: على الرغم من تطور المؤهلات المعرفية والكفاءة العلمية للنساء، لازلن يعشن صعوبات في الانخراط بسبب طبيعة البيئة الاقتصادية؛ حيث ينتشر الفساد والتمييز بين الجنسين في الولوج والترقي والأجور، وتنعدم الحماية.

ما العمل؟

إنها تحديات كبيرة تبين حجم الجهود اللازم بذلها من أجل:

– توفير الحد الأدنى الضروري من الحرية والأمن النفسي والمادي، بتوفير خيارات عملية كفيلة بتوقيف العنف الممارس عليها، كل العنف؛ عنف الأفراد والمؤسسات والدولة. وكذا وقف استكانتها لهذا العنف.

– إعطاء الأولوية للتربية والتعليم والتأهيل، إذ هو الحجر الأساس في تنمية قدرات النساء ومؤهلاتهن، واستعادة ثقتهن في أنفسهن، وتخليصهن من تلك النظرة الدونية، وهو الضامن لئلا تعاد تنشئة أجيال تؤمن بنفس النظرة.

– الحماية الصارمة للمرأة من كل تمييز، وإنصافها من كل ظلم.

– رفع المشاركة النسائية الفاعلة والواعية؛ من خلال وضع خطة مجتمعية متكاملة تراعي قدرات وكفاءات النساء من جهة، وحاجات وأولويات المجتمع من جهة أخرى.

لكن هذه الخطة ينبغي أن:

– تستحضر الوظائف الأساسية للمرأة كحافظة للفطرة ودعامة للأسرة.

– تتخلص من النظرة التقليدية التي لا تعترف بعمل المرأة في منزلها كنشاط اقتصادي، في حين تعد عملها في منزل غيرها كذلك.

– تركز على النوع لا على الكم فقط. وذلك بالإتاحة التدريجية للنساء لفرض المشاركة في صناعة القرارات.

خاتمة

إن التنمية النسائية في المغرب تسير بسرعتين متساويتين، لكن في منحيين متعاكسين: منحى تصاعديا تزداد فيه فئة متنفذة قليلة غنى وثراء ورخاء، ومنحى تنازليا تزداد فيه معظم النساء المغربيات فقرا وبؤسا وتعاسة. ولكي تتحقق التنمية الشاملة المنصفة، لابد للجميع أن يركب قطارا واحدا على سكة متينة نحو نفس الوجهة.

إن التنمية النسائية مسيرة طويلة تتطلب جهدا ونفسا وصبرا، لكنها قبل كل شيء معركة تحرر ويقين في موعود الله عز وجل.