في مشهد عجيب غريب يعطي للحدث أهميته وتميزه، شرع الله جل جلاله لعبيده ما يمهد لهم الوصال وييسر القرب من خلال ركعات فرضت في البداية مثنى مثنى، ثم أقرت في السفر لتكمل في الحضر.

في سفر كريم كانت وسيلته البراق، ومحطاته السماوات السبع، وناظروه أنبياء الله تعالى في كل سماء تمهيدا وتسليما وتشريفا، لينتهي في مقام الحضرة الإلهية بأدب جم وبصر خفيض وقلب غير ملتفت، مَا زَاغَ اَلْبَصَرُ وَمَا طَغيٰ (سورة النجم، الآية 17). نتعلم الأدب، فـ”من لم يجالس الملوك بالأدب أسرع إليه العطب”، فكيف بملك الملوك سبحانه ورب الأرباب؟

حدث الإسراء والمعراج معجزة خرقت المعتاد، شكلا ومضمونا، زمانا ومكانا ووسيلة، وكانت من أبرز عطاياه أن فتح الملك لعبيده بابا لا يسد ليلا ولا نهارا، سرا ولا جهارا، وإن أغلق الملوك أبوابهم، فبابه مفتوح غير موصد، مشرع غير مغلق، يقوم فيه العبد ويجثو، فهو بين قيام وركوع وسجود يتذلل بين يدي مولاه، له يسجد خياله وسواده، وبه يؤمن فؤاده، وله يذل حاله ويلهج لسانه، لينجمع شتات أمره وحاله ومآله، ويسمو من طينيته المعلومة إلى معانقة روحانية الملَك الذي لا يبرح الطاعة لمولاه حتى تظل روحه مرفرفة في عوالم المعرفة به سبحانه.

يتولى قِبَل بيت الله الحرام حتى يتعلم الانجماع على الله تعالى وتوحيد الوجهة وجمع الشتات، شتات أمره دنيا وأخرى، فلا وجهة إلا إلى الله، ولا طِلبة إلا وجه الله.

يقدم العبد المخبت لصلاته بطهارة البدن والثوب والمكان ظاهرا ليطهر قلبه باطنا ويصفو من الأكدار والإحن والأوزار، ويقف بين يدي ربه متبتلا خاضعا مظهرا لعبوديته التي من أجلها خُلق، وقد يصطف مع الجماعة على بساط واحد يجسد لحمة الأخوة الإيمانية التي إذا اشتكى من جسدها عضو تداعى له باقي الجسد بالسهر والحمى فيزداد أجره.

يقوم لله سبحانه افتقارا، ويركع معظما ويسجد ذليلا معفرا جبهته بأرض منها المبتدأ وإليها المعاد، يلهج لسانه بذكر موصوف، ودعاء ملح طلبا للحسنى والزيادة، ولسان الحال والمقال يقول: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (سورة إبراهيم، الآية 40).

وأية صلاة ترفع صاحبها عند مولاه دون أن تأخذ حظها من إقامتها بآدابها وشروطها وأوقاتها وهيآتها المعلومة عند نبي الهدى صلى الله عليه وسلم القائل: “صلُّوا كما رأيتموني أصلّي، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم” (1)؛ متابعة واقتداء وتعلم مباشر من أعظم من علّم وأفهم.

ويسبق ذلك أذان نُدب للتنبيه والإعلان، فكان أصحابه أعظم شأنا وأطول أعناقا يوم القيامة والحسرة والندامة، لا يحزنون إذا حزن الناس، ولا يذلون إذا ذلوا، فهم ضابطو إيقاع يوم المؤمن، المستنهضين للعبادة والوصل، الداعين للوقت الإيماني خمس مرات في اليوم، ليطلّق العبد الخاضع لربه زمن الغفلة والدعة والخمول، ويعانق زمن الحضور والسرور برب غفور.

الصلاة ذكر وتبتل وخضوع ووصال، لا مجرد حركات فارغة من قلب خواء استلذ البعاد، “إن الله لم يأمر إلا بإقامة الصلاة لا بإيجاد صورتها… الإقامة تكون في معركة القلب لا حركة الجسم، وفي خضوع الروح لا سجود الجباه، فهي من غير القلب والروح خاوية ميتة” (2)، وكيف يغفل العبد عن مولاه وقد وصل بابه؟ وكيف يشتغل به عن غيره ولم يملأ عليه قلبه وجوارحه؟ كيف يرضى لنفسه أن يكون العبد الطريد الذي أبق عن مولاه فجفاه وودعه وقلاه؟

وهي بعد وقوف متكرر بين يدي رب الأرباب، لإعلان الالتزام على الدوام، خمس مفروضة تجبر بالنافلة والراتبة والرغيبة، زيادة في مد جسور الوصال والموالاة، وفتح باب الله بالدعاء والمناجاة، والانتقال من الأغيار إلى الواحد القهار، والعلل في ذلك متضافرة منها أنه “لما كانت الجدُوب متتابعة على القلوب، وقحطُ النفوس متواليا عليها، جدّد له الدعوة إلى هذه المأدبة وقتا بعد وقت رحمة منه به، فلا يزال مُستسقيا، طالبا إلى من بيده غيثُ القلوب، وسَقيُها مستمطرا سحائب رحمته لئلا يَيبس ما أنبتته له تلك الرحمة من نبات الإيمان، وكلأ الإحسان وعُشبه وثماره، ولئلا تنقطع مادة النبات من الروح والقلب، فلا يزال القلب في استسقاء واستمطار هكذا دائما، يشكو إلى ربه جدبه، وقحطه، وضرورته إلى سُقيا رحمته، وغيث برِّه، فهذا دأب العبد أيام حياته” (3).

ثم إن الصلاة بعدُ خشوع وخضوع، واستمطار وذكر واستغفار، وعرض للعبد على سيده، يذكّره بيوم العرض على ربه، لا تخفى عنه منه خافية.

الصلاة ارتقاء لمعانقة السمو الحسي والمعنوي، واستنقاد الروح من دَرَن الفحش، ومساوئ العادات، وقبح المنكرات. الصلاة قرة عين المؤمن، وراحة قلبه وروحه وكلّيته من نصب الحياة، وتعب الكدح، ومشاغل العمر، وعقبات الوجود الفاني، هي بساتينه التي “يجد فيها راحة قلبه، وقرّة عينه، ولذَّة نفسه، وراحة جوارحه، ورياض روحه، فهو فيها في نعيم يتفكَّه، وفي نعيم يتقلَّب يوجب له القرب الخاص والدّنو، والمنزلة العالية من الله عزَّ وجل” (4).

الصلاة راحة، والراحة في الصلاة.


(1) متفق عليه عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

(2) عبد العزيز سيد الأهل، أسرار العبادات في الإسلام، دار النهضة الحديثة، بيروت، ط1، 1392هـ/1972م، ص 101.

(3) ابن قيم الجوزية، أسرار الصلاة، ط 2004، ص 3، الطبعة الإلكترونية.

(4)  نفسه، ص 28.