أقبل علينا ضيف عزيز، ضيف ليس كباقي الضيوف، تنتظره القلوب المؤمنة بشوق عظيم ولهفة، لما يجلبه معه من خيرات وبركات، ضيف ترتاح له النفس وتطمئن. إنه شهر رمضان، شهر التوبة والغفران، شهر البركة والرحمة.
شهر اجتمعت فيه فضائل تدعو كل مؤمن ومؤمنة أن يقبل على الله ويغتنم ويغرف منها ما استطاع. شهر ميزه الله سبحانه وتعالى بمزايا عديدة وجليلة، إذ أنزل فيه القرآن الكريم، قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ (سورة البقرة الآية 185)، وكان نزوله في العشر الأواخر من رمضان، في ليلة مباركة هي ليلة القدر، كما أخبر الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (سورة القدر الآية 1) وقال سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (سورة الدخان الآية 3).
إن المتدبر لهذه الآيات والمتمعن فيها، يدرك تمام الإدراك العلاقة الوطيدة التي أنشأها الله بين القرآن الكريم وبين شهر رمضان. فليحرص المؤمن والمؤمنة على الإقبال على كتاب الله في هذا الشهر الفضيل تلاوة ومدارسة وحفظا وتدبرا، وعملا بما جاء من أحكام بتطبيق ما نصت عليه من أوامر واجتناب ما نهت عنه.
فضل تلاوة القرآن في رمضان
تلاوة القرآن والقيام به من أجلّ القربات في رمضان، فقد شُرعت لما لذلك من فضل عظيم، وهي عبادة عظيمة تشفع لصاحبها يوم القيامة، فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام أي ربِ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن، منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان” (رواه أحمد).
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: “اقرؤوا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأصحابه” (أخرجه مسلم في صحيحه).
قراءة الحرف من القرآن الكريم بحسنة، والحسنة تضاعف بعشر أمثالها، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف” (أخرجه الترمذي في سننه).
فواجب المسلم تجاه القرآن في شهر رمضان الإكثار من تلاوته وختمه عدة مرات، ويستحسن حفظ شيء منه ولو كان يسيرا. فالرسول صلى الله عليه وسلم مدح أهل القرآن الذين يعيشون معه، ويقرؤون آياته ويتدبرون معانيه، فقال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” (رواه البخاري) جاء عن الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “كان سلاحي الوحيد هو أعظم سلاح وأقصد به القرآن الكريم، أغرقت نفسي في آياته، وكلما أوغلت في القراءة وكررتها تعرفت على أشياء. وإذا بنظرتي لنفسي والحياة والناس تصبح أكثر رجاحة وصافية متطهرة من كل حقد… ومنّ الله علي فمكنني من حفظ القرآن بجميع أجزائه” (مجلة الجماعة، ع 7، ص 72).
وقد أجزل المولى سبحانه وتعالى لأهل القرآن العطاء، فترقى بهم حسب تلاوتهم إلى الدرجات العلا في الجنة، ويؤكد هذا الأمر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “يقال لقارئ القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها” (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد).
رمضان وتدبر القرآن
إن تدبر القرآن والتفكر في معانيه ودلالاته من الأمور التي ينبغي أن يهتم بها العبد المؤمن ويحرص عليها. فبعض الناس يركزون في رمضان على تلاوة قدر كبير من القرآن الكريم، والتنافس على عدد الختمات دون التدبر في آياته واستشراف معانيها ومقاصدها.
فالأصح والأعدل أن يقسط المؤمن في تلاوته بحيث يجمع بين وِرْدَيْ التلاوة والتدبر. يقول البلق: “لي ختمة أختمها كل شهر، ولي ختمة أختمها كل عشر، ولي ختمة لم أختمها منذ بدأتها وهي ختمة التدبر”.
فالهدف من هذه التلاوة الوقوف على دلالات الآيات ومعاني القرآن الكريم ومفرداته، وأخذ العظة والعبرة من قصصه. والصوم زمان خصب لتحقيق هذه الغاية الحميدة.
إن القرآن متدبرا ما تلاه لسان إلا طاب وحلا، ولا وصل أثره قلبا إلا صلح وصفا، ولا حل صدرا إلا انبسط وانشرح، ولا تأمل فيه عقل راجح الا اتسع وانفسح.
رمضان ومدارسة القرآن
ويستحب مدارسة القرآن الكريم في شهر رمضان، والاعتناء به، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ الناسِ، وكان أَجْوَدَ ما يكونُ في رمضانَ حِينَ يَلْقاهُ جبريلُ، وكان يَلْقاهُ في كلِّ ليلة مِن رمضانَ فَيُدارِسُه القرآن، فَلَرسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أجْوَدُ بالخير من الريح المُرسَلة” (رواه البخاري ومسلم).
وبين الإمام النووي رحمه الله العديد من الفوائد المترتبة عليه الحديث السابق، منها: “استحباب مدارسة القرآن، إذ إن مدارسة القرآن تجدد عهد النفس بالغنى والذي يعد سببا من أسباب الجود والسخاء”.
فينبغي استثمار هذا الشهر الكريم لعقد مجالس قرآنية في البيوت والأسر تتعلق بتفسير بعض الآيات من كتاب الله وتدبرها، وذلك بغية ربط الناشئة بكتاب الله عز وجل وتحبيبهم فيه، حرصا على نيل بعض العطايا الربانية التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ” (صحيح مسلم).
أي فضل هذا وأية غنيمة. فلنجعل بيوتنا جميعا هذا البيت، ولنقبل على ملازمة القرآن في هذا الشهر الفضيل؛ قراءة وسماعا وتدبرا ومدارسة وعملا وتطبيقا وحفظا ومراجعة. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها” (رواه مسلم).
لنكثر من قراءة القرآن في هذه الأيام المباركة ولنغنم فضلها، فإنها أيام تمضي سريعا، جعل الله لنا فيها نصيبا من الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
رزقني الله وإياكم الإقبال على كتابه، والعمل بما فيه، وجعله حجة لنا لا علينا.
