من فضل الله سبحانه وتعالى علينا أن وهبنا أياما وأزمنة فاضلة، تذكرنا بالغاية من الخلق وتدعونا للتوبة والاستزادة من الأعمال الصالحة للفوز بالقرب والرضى من الله العلي القدير، فبعد رمضان والعشر من ذي الحجة يأتي شهر محرم، أول شهور السنة الهجرية، وهو من الأشهر الحرم التي يجب علينا ألا نظلم فيهن أنفسنا، وأن نسعى فيها للاجتهاد أكثر ونجتنب المعاصي والوقوع في الزلات. وهو شهر يذكرنا بحدث عظيم؛ الهجرة النبوية الشريفة وما تحمل معها من معاني البذل والجهاد والمحبة والتربية والنصرة للدين وإخلاص النية لله عز وجل. وفي هذا الشهر أيضا يوم عظيم نصر الله فيه كليمه سيدنا موسى عليه السلام، وأمرنا حبيبنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتعظيمه وصيامه، والاعتزاز بديننا الإسلام الذي يعترف بفضل جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.
فما هو يوم عاشوراء؟ وما هو فضله؟ وما هي الأعمال المستحبة فيه؟
عاشوراء يوم فضيل
هو اليوم العاشر من شهر محرَّم، فاتحة شهور العام الهجري وأعظمها، وآخر الأشهر الحُرم الثلاثة. ولهذا اليوم فضيلةٌ عظيمة، كيف لا وهو اليومُ الذي أنجى الله تعالى فيه موسى وقومَه، وأغرقَ فرعونَ وقومَه؛ فصامه موسى شُكرًا، ثم بعد ذلك صامه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرحا بنصر الله وتعظيما لعطاء الله وحبا لكليم الله، ففي رواية لابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: “قَدِمَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ، فَوَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ يَومَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عن ذلكَ؟ فَقالوا: هذا اليَوْمُ الذي أَظْهَرَ اللَّهُ فيه مُوسَى وَبَنِي إسْرَائِيلَ علَى فِرْعَوْنَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا له، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: نَحْنُ أَوْلَى بمُوسَى مِنكُم فأمَرَ بصَوْمِه” [1].
وللنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صيامِ عاشوراءَ أربعُ حالاتٍ:
الحالةُ الأولى:
أنَّه كان يصومُه بمكَّةَ، ولا يأمُرُ النَّاسَ بالصَّومِ؛ ففي الصَّحيحينِ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: “كانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الجَاهِلِيَّةِ، وكانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وأَمَرَ بصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كانَ رَمَضَانُ الفَرِيضَةَ، وتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَكانَ مَن شَاءَ صَامَهُ، ومَن شَاءَ لَمْ يَصُمْه” [2].
الحالةُ الثَّانيةُ:
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا قَدِمَ المدينةَ ورأى صيامَ أهلِ الكتابِ له وتعظيمَهم له -وكان يحبُّ موافقتَهم فيما لم يُؤمَرْ به- صامه وأمر الناسَ بصيامِه، وأكَّد الأمرَ بصيامِه، وحثَّ النَّاسَ عليه حتى كانوا يُصَوِّمونه أطفالَهم.
الحالةُ الثَّالثة:
أنَّه لَمَّا فُرِض صيامُ شهر رمضانَ، ترك النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأمر لأصحابِه بصيام يومِ عاشوراءَ؛ فعن عبد الله بن عمر، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: “أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يصومون يومَ عاشوراءَ، وأن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ صامَه والمسلمون قبلَ أن يُفترضَ رمضانُ، فلما افتُرِض رمضانُ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ: إن عاشوراءَ يومٌ من أيامِ اللهِ تعالَى فمَن شاء صامه ومن شاء تركَه” [3].
إن الأحاديث النبوية الصحيحة المذكورة التي جاء فيها الأمر بصيام يوم عاشوراء، تركز على الوجوب في بداية الإسلام ثم الترك بعد فرض صوم رمضان في السنة الثانية للهجرة، فصار حكمه مستحبا. ومع أن الأمر لا يخلو من اختلاف بين العلماء إلا أن معظم أهل العلم على أن صيام يوم عاشوراء كان مفروضا أولا، ثم ترك بعد ذلك، أي أن هناك نسخ وانتقال من وجوب إلى استحباب، وذهب إلى ذلك: الإمام الشافعي والغزالي والشوكاني وغيرهم.
وقال ابن حجر في فتح الباري (4/247): “ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجباً لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: “لما فرض رمضان ترك عاشوراء”، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه” اهـ.
الحالةُ الرَّابِعة:
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَزَم في آخِرِ عُمُرِه على ألَّا يصومَه مُنفَرِدًا، بل يضمُّ إليه يوم “التاسع”، مخالفةً لأهلِ الكتابِ في صيامِه، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حِينَ صَامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَومَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بصِيَامِهِ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: “فَإِذَا كانَ العَامُ المُقْبِلُ -إنْ شَاءَ اللَّهُ- صُمْنَا اليومَ التَّاسِعَ، قالَ: فَلَمْ يَأْتِ العَامُ المُقْبِلُ حتَّى تُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم” [4].
ما يستحب فعله يوم عاشوراء
1- الصيام: سنة مستحبة، فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو قتادة رضي الله عنه، قوله صلى الله عليه وسلم: “صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ والسنَةَ التي بَعدَهُ، وصِيامُ يومِ عاشُوراءَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التِي قبله” [5].
وقد ذكر ابن القيم في كتابه زاد المعاد وابن حجر في كتابه فتح الباري أن صيام عاشوراء ثلاث مراتب:
- صوم التاسع والعاشر والحادي عشر وهذا أكمله.
- صوم التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث.
- صوم العاشر وحده.
2- يستحب يوم عاشوراء التوسعة على الأهل كل حسب قدرته، لما ورد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ» [6]. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ»، قال جابر رضي الله عنه: “جربناه فوجدناه كذلك”، وقال أبو الزبير مثله، وقال شعبة مثله [7].
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته “رد المحتار على الدر المختار” (2/ 418): [(قَوْلُهُ: وَحَدِيثُ التَّوْسِعَةِ إلَخْ) وَهُوَ «مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ السَّنَةَ كُلَّهَا» قَالَ جَابِرٌ: جَرَّبْته أَرْبَعِينَ عَامًا فَلَمْ يَتَخَلَّفْ.
وقال العلامة الحطاب المالكي في “مواهب الجليل في شرح مختصر خليل” (2/ 405): “يَنْبَغِي أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الْأَهْلِ فِيهِمَا -أي ليلة عاشوراء ويومها-، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: فَيُوَسِّعُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مُرَآةٍ وَلَا مُمَارَاةٍ، وَقَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَصَحَّ”..
3- يستحب قراءة القرآن والإكثار من الذكر والدعاء وصلة الأرحام، فهذه الأعمال مستحبة طيلة السنة وتتأكد في الأشهر الحرم الذي ينتمي لها يوم عاشوراء بدون شك، مع تجنب البدع والمعاصي مما عهدناه في هذا اليوم من منكرات و غلو مشين؛ كما يفعل الشيعة من حزن على مقتل سيدنا الحسين أو ما يشيع في مجتمعاتنا من غناء ورقص واختلاط وغيرها. قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة: 36).
يقول الإمام السعدي في التفسير الوسيط: ويحتمل أن الضمير يعود إلى الأربعة الحرم، وأن هذا نهي لهم عن الظلم فيها، خصوصا مع النهي عن الظلم كل وقت، لزيادة تحريمها، وكون الظلم فيها أشد منه في غيرها.
فلا يفوتنا -معشر أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم- حسن استغلال واستثمار هذا اليوم وهذا الشهر الحرام فيما يقربنا من خالقنا، وأفضل ما نقدم لأنفسنا؛ توبة وأوبة مع محاسبة للنفس وتصفية للقلب وعزم على السير قدما رفقة الصالحين والصالحات، نقتحم العقبات ونغتنم فرصة الحياة ونقرع باب الله في صفوة الأوقات طلبا لإقالة العثرات ورفع الدرجات وإحياء القلب الموات.
[1] صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم : 1130 | خلاصة حكم المحدث : صحيح.
[2] المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم: 4504 | خلاصة حكم المحدث : صحيح.
[3] أخرجه البخاري (1892)، ومسلم (1126) باختلاف يسير في الصحيحين.
[4] صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1134 | خلاصة حكم المحدث : صحيح.
[5] أخرجه مسلم في صحيحه، الصفحة: 1162.
[6] أخرجه ابن أبي الدنيا في “النفقة على العيال”، والطبراني في “المعجم الكبير”، والبيهقي في “شعب الإيمان”.
[7] أخرجه الحافظُ بن عبد البر في “الاستذكار”.
