الاضطهاد في خدمة المضطهَد!
ظنت السلطة أنها تستطيع بالإكراه البدني أن توجه ضربة قاضية لمشروع الرجل في المستقبل، فجربت مع حصاره وتغطية فكره اعتقال أصحابه (القيادة)، لقطع العلاقة بين القيادة والقاعدة، وكسر شوكة التنظيم وإرباك عمل الأعضاء والمتعاطفين. ثم انتقلت أجهزة الداخلية والاستخبارات إلى تشديد المراقبة على الأعضاء وتهديدهم، وتخويف كل من يذكر اسم عبد السلام ياسين أو ينتسب إليه، وبلغ الاضطهاد إلى الاتصال بآباء التلاميذ والطلبة وتهديدهم بقطع أرزاقهم وأرزاق أبنائهم إن لم يقطعوا علاقتهم بكل ما يمت بصلة إلى عبد السلام ياسين. فكان بحق الأستاذ وجماعته “الضحية الأولى للمفهوم القديم للسلطة” 1 بتعبير محمد الحبابي.
كثَّفت الدولة منعها واضطهادها للرجل وللمشروع معا، وشكلت حِلفا من الانتهازيين للتلبُّد ضده، متوهمة أنها تستطيع أن توقف زحف الربيع في بدئه، وتشل حركية جماعة فتية في مهدها، وتقضي على الفكرة قبل أن تصير كيانا يملأ فضاءات أوسع، وتطفئ شمعة صغيرة قبل أن تستحيل شمسا حارقة وسط النهار، وتوقف جريان نهر يوسع ضفافه وهو يعمق مجراه بانسيابية إلى مصبه، لكن تدبير الله طوى تدبير خلقه، واستحال الاضطهاد خدمة للمضطهَد ومساعدا على التعريف به.
تفطن الأستاذ في بداية دعوته إلى أن طريق الحرية وعرٌ ومُكلِّفٌ، نظرا لطبيعة الإكراهات التي تعترضه والعقبات التي تمانعه، فالطريق غير آمنة ولا قصيرة، والابتلاء بالسجن أو القتل وارد في أية لحظة، في حقه أو في حق من صدَّق قوله وآمن بفكرته، لذلك كان يُذكِّر زواره بثمن الانتماء لدعوته، حتى يصبر من وجد في دينه صلابة وفي نفسه استعدادا وفي خُلقه شجاعة، وينصرف عن بينةٍ من لم يكن له استعداد لبذل النفس والمال والوقت. فعملٌ من هذا القبيل لا يقبل أنصاف الحلول ولا ينهض به أنصاف الرجال.
زاد أسلوب الاضطهاد والترهيب من ثبات السجناء وتماسكهم، وترسخت أقدام الأعضاء وتوسعت دائرة المتعاطفين بثبات القيادة والطليعة، فبعد أن قصدت الدولة محاصرة الرجل وقطع علاقته بالمجتمع، تداعى المجتمع إليه تعرفا وتعاطفا، فاستحال الحصار انتشارا للدعوة وانتصارا للفكرة.
العودة إلى العنف..

الطلبة المعتقلون بالسجن المحلي بالقنيطرة
رجعت السلطة خائبة من المساومة، عجلى إلى العسف من جديد، وهو أسلوبها المفضل وخيارها الحميمي على كل حال، فاعتقلت 76 عضوا من الجماعة بالشرق المغربي أغلبهم من الطلبة يوم الجمعة 1 نونبر 1991م، ولفقت لهم تهما خطيرة (المشاركة في قتل طالب)، وأصدرت في حقهم وفي جنح الظلام أحكاما بمئات السنين، وخصت 12 منهم بأحكام ثقيلة (20 سنة سجنا لكل واحد منهم) ليلة 09 يناير 1992م بالمحكمة الابتدائية بوجدة. ونقلوهم إلى سجن القنيطرة المعروف عند المعتقلين السياسيين، وقد كتب عنه غير واحد ممن أُسكنوه، بدءا بالكاتب عبد القادر الشاوي في روايته “كان وأخواتها”. أمضى الطلبة سنوات الظلم بين سجن القنيطرة وسجن بوركايز بفاس، ثمنا لصمود قيادة الجماعة أمام إغراءات سلطةٍ ضالعة في إسكات المناضلين وتطويع المعارضين. ولم يطلق سراحهم إلا يوم الأحد 1 نونبر 2009م.
وسنعود إلى ملف العفو الشامل 2، بعد أن نعرج على حدث له أهميته السياسية والحقوقية؛ وقع يوم 8 ماي 1990م. فهو اليوم الذي تزامن فيه اعتصام آلاف الأعضاء من جماعة العدل والإحسان أمام محكمة الاستئناف بجوار مبنى البرلمان بالعاصمة الرباط، بمناسبة محاكمة المعتقلين من أعضاء مجلس الإرشاد، مع إعلان الملك الحسن الثاني عن تأسيس “المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان Discours de Roi Hassan 2 lors de l’installation du Conseil Consultatif des Droits de l’Homme, le 8 mai 1990,
منشور في موقع المجلس الوطني لحقوق الإنسان (cndh.org.ma)، زرته يوم 20 أبريل 2020م. 3، سماه بعض الباحثين بــيوم “8 ماي المجيدة” 4، وهي واقعة مجيدةٌ في نظر من استطاعوا أن يثبتوا في اللحظة المناسبة وبالحجم المناسب التناقض في الواقع السياسي والحقوقي المغربي، فالدولة بعدما كانت تنكر في البداية وجود أية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في المغرب، إلا أنها تحت ضغط المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، وتجلد المناضلين المغاربة (يسارا وإسلاميين) اعترفت بوجود الانتهاكات الخطيرة، ودعا الملك إلى مصالحة وطنية تعويضية من أجل طي الملف، وصرح أنه بصدد فسح المجال لحقوق الإنسان، وجبر الأضرار الناجمة عن تلك الانتهاكات.
كان ذلك خطابا رسميا صفقت له كالعادة كائنات سياسية وثقافية خُلقت لتُصفق. لكن مسلسل الاعتقالات وانتهاكات حقوق الإنسان في أغلب مدن المغرب وقراه، لم يتوقف. ففي نفس اليوم تم احتجاز آلاف المعتصمين الذي حجوا من مختلف جهات المغرب، ليس للاستعراض، وإنما لمؤازرة المعتقلين السياسيين، واقتيدوا بالعنف إلى مختلف مخافر الشرطة وملحقاتها بمدينتي الرباط وسلا، بل تحول بهو المحكمة نفسه إلى مكان للاحتجاز 5.
لو كانت النية صادقة في فسح المجال لحقوق الإنسان لما بقي طلبة الجماعة في السجون آنذاك، ولما بقي العالِـم المحاصَرُ رهن إقامة إجبارية خارج القانون، ولما بقي أعضاء مجلس الإرشاد في السجن! لكن ذلك لم يكن!
[2] كتب الأستاذ بمناسبة هذا العفو الذي سُمي شاملا رسالة إلى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، تجدها ضمن فصل الملاحق.
[4] فتحي، عبد الصمد. “8 ماي المجيدة”، منشور بموقع الجماعة (aljamaa.net)، يوم 8 ماي 2011م، زرته يوم 20 أبريل 2020م. ولأمر ما يحيل هذا أيضا إلى 8 ماي 1983م أثناء تدخل السلطة وإحداث انفجار داخل حزب الاتحاد الاشتراكي، وتقسيمه إلى حزبين بموقفين متناقضين: (حزب الاتحاد الاشتراكي الشعبي) و(حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي).
[5] قبل الإفراج عن الجميع في ساعة متأخرة من الليل بعد التحقق من هوياتهم.
