الحركة الإسلامية إلى أين.. عوائق الطريق وشروط التمكين

قراءة على ضوء المنهاج التجديدي للإمام عبد السلام ياسين

تنطلق القراءة المنهاجية للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى للصحوة والحركة الإسلامية من زاوية التاريخ والحاضر والمستقبل البشري وذلك من خلال رؤية قرآنية نبوية؛ حيث يعتبر هذه الـ”صحوة هي بركة من  الله عز وجل على هذه الأجيال”1، وهي في منظوره في تطور مستمر منذ إرهاصاتها الأولى عند بروز مقاومة الاستعمار عندما طرق بلاد المسلمين فبرزت المقاومة التي قادها أبطال مثل المجاهد عبد الكريم الخطابي، والسنوسيين بليبيا والمهدي السوداني وغيرهم، بنفَس ديني إيماني، ثم في الأدبيات الأولى في فكر محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا، ثم لتتبلور كفكر حركي مع الشهيد حسن البنا والشيخ المودودي والأستاذ أبو الحسن الندوي والشهيد سيد قطب… وهي اليوم في مرحلة مفصلية من تاريخ الأمة الإسلامية على أبواب وصولها للحكم، يقول عنها الإمام “يتقدم الإسلاميون للحكم، تستنجد بهم اليوم وغدا أمة مقهورة مغلوبة علي أمرها وعلى أرزاقها وعلى عقول أبنائها وبناتها وعلى مصيرهم الدنيوي والأخروي في عالم مضطرب…”2.

وقد حذر الإمام ياسين منذ كتاباته الأولى من مجموعة من التحديات ونبه إلى مجموعة خطوات من أجل البناء في أفق التمكين: وسأتناول الموضوع في ثلاث فقرات وفق الآتي:

أولا: محاذير وتنبيهات

ثانيا: العوائق البنيوية والفكرية داخل الصحوة

ثالثا: الآفاق وشروط التمكين: ثنائية العدل والإحسان

————-

 أولا: محاذير وتنبيهات

1.     الاستبصار الضروري لتجاوز “أنشوطة” التدهور التاريخي

​بسط الإمام ياسين مجموعة من التحديات يجب أن تنتبه لها أجيال الحركة الإسلامية وهي تتقدم إلى الأمام، ومنها أن تتسلح بما سماه بالاستبصار، وهو يعني أن لا يكون الماضي، واجتهاد الماضين في شؤون الحكم خاصة، وثقل الماضي “أُنشوطةً في أعناقنا، ووهناً في نفوسنا، وخَوراً في عزائمنا، وبلبلةً في فهمنا إن نحن استقينا العلم من مخاضات تاريخ المسلمين في مراحل تدهوره. إن نحن لم نرتفع إلى المرحلة التأسيسية لنواكب البناء النبوي الراشدي وننفذ إلى الاستبصار الضروري لنبني على المنوال الأول”3.   

​وهنا يوضح الإمام أن اعتماد الصحوة والحركة الإسلامية على اجتهادات الماضي وتجارب التاريخ الإسلامي في فترات تدهور الحكم ومراحل انحرافه، يكبّل الحركة كحبل وقيد يلتف حول عنقها ويسبب ضعف عزائمها ويبلبل فهمها، مؤكدا على ضرورة العودة للمرحلة التأسيسية أي البناء النبوي وخلافة الراشدين تجاوزا لعصور الانحطاط لبناء الفكر الإسلامي الحالي على المنوال الأول الصحيح.

2.     تفكيك جذور الغلو والتطرف

​كما حذر الإمام ياسين أيضا من الغلو والتطرف لدى شبابها، مؤكدا أن الحركة الإسلامية قطعت أشواطا نحو الاعتدال ثم نحو الرشد والرجولة، إلا أن قراءة المشهد الإسلامي المعاصر بأسلوب الإمام الذي لا يقف عند ظواهر الأشياء بل يبسط الأسباب والعلاج؛ فهو لا يكتفي بمساءلة النتائج وهي الغلو والتطرف، في فقرة تحمل نفس العنوان في كتاب العدل وفي غيره من المؤلفات، بل له الجرأة الكافية لتفكيك الأسباب والبيئة المحتضنة التي أنبتت هذه النبتة.

​وقد سلّط الضوء بشجاعة على ثلاثة أضلاع رئيسية شكلت مثلث الموت الذي يمكن أن يخترق شباب الأمة:

​أولاً: أزمة المؤسسة الدينية الذاتية: حيث يُسجّل الواقع تراجعاً حاداً في الدور التأثيري والأخلاقي لكثير من العلماء والمرجعيات، وهو راجع الى أمور تتأرجح بين الانشغال بالدنيا واستحقاقات السكوت، والذي ظهر عقب الارتهان للمصالح والمناصب الرسمية، والمكاسب المادية، فظهروا أمام الجماهير بمظهر “موظفين رسميين” لا “ورثة الأنبياء” الذين أخذ الله عليهم الميثاق لتبيان الحق للناس. فلزموا الصمت عن الظلم والمظالم، ثم تطور الحال الى أن أصبح يُساق الخطاب الديني في كثير من الأحيان لتبرير المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية بدلاً من قول الحق ورفع الحرج ونصرة المظلوم، ليفقد الشباب الثقة في هذه المرجعيات .

ولم يُلغِ هذا السكوت والصمت المطبق والتبرير المنحرف حاجة الشباب للتدين، بل خلق فراغاً مرجعياً قاتلاً، تلقفته الجهات المعنية بذكاء، لتقدم للشباب “ديناً” شجاعاً، يحاول تغيير الواقع ولما تكتمل رجولته الإيمانية ولم ينضج تصوره الفكري فكيف سيحقق التغيير؟ لنستمع للإمام وهو يطرح هذا السؤال الاستنكاري “من كان تحت جلبابه الأبيض الجديد وعمامته الناصعة إيمان خلق وفكر رث وتصور ورائي للدين كيف يكون للأمة منقذا”4.

وفي حديثه عن علماء الدين ميّز الإمام بين نوعين؛ النوع الأول وهي قلة ولكنها خطيرة، تزين الباطل وتدافع عن بنيته وهؤلاء لا خير فيهم، ويقول عنهم “لا شأن يرجى لفقهاء السوء القلة”5. ثم النوع الثاني وهم فئة عريضة مغلوبة على أمرها يجب أن تساعدهم الحركة الإسلامية للخروج من ربقة الظالمين، وهم “الجحفل من حاملي الشهادات المنضوين تحت لواء التقليد لفتوى صدرت منذ قرون، أو المشتغلين بمعاش اليوم الموظفين في المؤسسة الدينية الرسمية منعتهم الحاجة من الاستقلال في الفكر والحركة… ومطمع الحركة الإسلامية أن تساعد أهل العلم والدين من رجال الإسلام على الخروج من ربقة التقليد”6.

​ثانيا: الفساد في الحكم: يعتبر الإمام الفساد في الحكم رأس المعضلات، يقول “إن حمى الغلو ماهي إلا عرض من أعراض المرض المزمن الدفين، مرض الانتقاض في عروة الدين، مرض الفساد في نظامه، ألا وهو الحكم بغير ما أنزل الله”7، وهكذا عملت الأنظمة المستبدة على الاحترام الشكلي للدين والشريعة رغبة في تحويل الشريعة إلى ألعوبة لضمان حكم الاستبداد، يقول الإمام “لكن الظلم إذا تقنع بالدين وتسربل بسرباله قد يقنع الناس لأجيال وأجيال أن الحاكم أب حنون واجب الطاعة وأن الحاشية وحدها هي أم الخطايا المسؤولة”8. ولهذا وجب على منظري الحركة الإسلامية بذل المجهود الكافي لتبيان مجافاة هذه الأنظمة للدين، يقول الإمام “لن نكون إلا معارضة من المعارضات تنتقد الحكم وتطعن في كفاءته إن لم نتعرض لأصول الحكم الجائر باعتباره خرقا في الدين وانتحالا تزويريا لقداسة الدين قبل كل شيء”9.

وإذا كان الخوارج الأوائل قد خرجوا في بيئة غلب فيها الصراع السياسي على الفهم الفقهي السليم، فإن الأنظمة الاستبدادية الحديثة تتحمل العبء الأكبر في صناعة هذه البيئة المعاصرة عبر التلبس بالدين وتدجين العلماء أو تطويق بعضهم وتكميم الألسن، واستبعاد كل عالم رباني يملك لساناً صادقاً أو رؤية إصلاحية، أو محاصرة منابر العقول، فدفعت الشباب المقبل على التدين إلى الانعزال والسرية والتخفي مما أوقعها في خانة الغلو والتطرف. يقول الأستاذ ياسين “وفي هذا الجو يتبنى الشباب مذهبا منسوبا لإمام مجتهد… فيخرج بالفتوى الجاهزة لكل شادة وفاذة من عالم مضى وانقضى”10 .

​الضلع الثالث: الاحتواء والاختراق الاستخباراتي: إن قراءة مآلات فكر الغلو والتطرف لا تكتمل إلا بالنظر في خريطة الاستفادة الجيوسياسية. فقد حذر الإمام في بداية تنظيره لأسس الحركة الإسلامية من تبعات التخفي وعدم الوضوح حتى لا “ينسبوا لنا ماشاؤوا من تهم الإرهاب والتآمر”11، مؤكدا أن  الأمر أكبر حتى من الأنظمة الوظيفية، حيث يقول “وتعيش (الأمة) اليوم تحت كابوس التآمر الصهيوني العالمي… جهود الأمة مبعثرة، والعدو الذي يعزم أن يسكت الإسلام، ويضلل جهاد المسلمين ويحتوي حركتهم، منظم معبأ متضامن مع قادة الفتنة فينا”12.

وإذا كان الخوارج قديماً يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان، فإن بعض النسخ المعاصرة منهم تُقدّم أكبر خدمة مجانية للمشروع الصهيوني-الإمبريالي في المنطقة وقد تم ذلك عبر الاختراق، حيث أثبتت الأحداث أن هذه الجماعات المتطرفة مخترقة حتى العظم من أجهزة التجسس الدولية والإقليمية، لنشر الفتاوي الفاسدة وزيادة تفكيك الأمة العربية والإسلامية، وتعبيد الطريق للسيطرة الصهيوأمريكية الشاملة على المنطقة تحت شعارات “مكافحة الإرهاب”.

وقد ركزت هذه الفئة على تفتين الداخل، ففي الوقت الذي يتغول فيه الكيان الصهيوأمريكي في أرض فلسطين وفي بلاد المسلمين، ويستبيح المقدسات، ويمارس إبادة جماعية ويمزق شمل الأمة، تجد أصحاب الفكر التكفيري يُصوّبون أسلحتهم وتكفيرهم نحو الحركات المقاومة والمجتمعات المسلمة، ويُشعِلون الفتن المذهبية والداخلية.

3.     فقه السنن واقتحام العقبة:

​إن تقدم الحركة الإسلامية للحكم يجب أن يتم وفق منهجية احترام السنن الكونية، وعليها أن لا ترى في السنن الإلهية قوالب جبرية تدعوها للانتظار السلبي، بل ترى فيها قوانين صارمة تفرض على الأمة وتحثها على فقه تلك السنن في شموليتها، كما تفرض عليها فقه اقتحام العقبة وإعداد القوة. وفي هذا السياق يحذر الإمام من تسطيح مفهوم السنن التي ينتظر من “الملتزم” تحققها تلقائياً. بل يحاول ربط تلك السنن بـمفهوم مركزي وهو الحركية والجهاد والتخطيط والإعداد؛ لأن تلك السنن لا تعمل في فراغ، بل عبر التمحيص، والتمحيص بهذا المعنى ليس مرحلة انتظار سلبي، بل هو وعي تام باللحظة وعمل اقتحامي للعقبة.

 

المصادر والمراجع:

1- ياسين عبد السلام، العدل الاسلاميون والحكم، ص 14.

2- ياسين عبد السلام، العدل الاسلاميون والحكم، ص 9.

3- نفسه، ص 121.

4- نفسه، ص 55.

5- نفسه، ص 95.

6- نفسه، ص 52.

7- نفسه، ص 113.

8- نفسه، ص 11.

9- نفسه، ص 112.

10- نفسه، ص 54.

11- نفسه، ص 10.

12- ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 13.