محمد أوراغ
لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى المال العام على أنه مالٌ مستباح لا يملك أحدٌ حقَّ مساءلة من يتصرف فيه، ولا إلى الوظيفة العمومية باعتبارها امتيازًا لمن يتولاها، بل كان يراها أمانة تتعلق بحقوق الناس، ويُسأل عنها صاحبها أمام الله.
ومن أبلغ المواقف النبوية في هذا الباب قصة ابن اللتبية رضي الله عنه، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاملًا على الصدقات. فلما عاد قال: “هذا لكم، وهذا أُهدي إليّ”.
قد يبدو الأمر في ظاهره بسيطًا، رجل أدى مهمته، فجاءته هدية من بعض الناس. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى الهدية منفصلة عن الموقع الذي جاءته بسببه، وأنكر عليه ذلك، ثم قال أمام الناس:
“فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر أيُهدى له أم لا؟”.
سؤال نبوي قصير، لكنه يضع معيارًا بالغ الدقة، هل كنت ستحصل على هذه المنفعة لو لم تكن في هذا الموقع؟
إن كان الجواب: لا، فإن المسألة لم تعد هدية شخصية بريئة، وإنما أصبحت منفعة ارتبطت بالوظيفة العامة.
وهنا تظهر دقة المنهج النبوي؛ فالفساد لا يبدأ دائمًا بسرقة كبيرة من مال الشعب، بل قد يبدأ من شيء يستصغره صاحبه؛ هدية، أو خدمة، أو مجاملة، أو امتياز لا يحصل عليه الإنسان إلا بسبب منصبه. وما يبدأ صغيرًا قد يكبر حين يغيب الضمير، ويتحول المنصب من وسيلة لخدمة الناس إلى طريق للمنافع الخاصة.
ولذلك لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتفي بمنع الاعتداء الصريح على المال، بل كان يسد المداخل التي يمكن أن تقود إليه؛ فيمنع تعارض المصالح، ويربط الوظيفة بالمسؤولية، ويجعل صاحب المنصب خاضعًا للمساءلة.
لكن حماية المال العام لا تبدأ فقط من سؤال كيف نمنع المسؤول من استغلال منصبه؟
بل تبدأ قبل ذلك بسؤال آخر من الذي ينبغي أن يتولى المنصب أصلًا؟
وهنا يأتي موقف سيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
فقد طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعمله، فقال له: “يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”.
قد يبدو وصف أبي ذر رضي الله عنه بالضعف مستغربًا؛ فقد كان قويًا في الحق، جريئًا في قول ما يراه صوابًا، لا تأخذه في الله لومة لائم. فكيف يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنك ضعيف”؟
إنه لا يصفه بالضعف في الإيمان، ولا في الصدق، ولا في الشجاعة، وإنما يشير إلى ضعفٍ يتعلق بطبيعة الولاية وأعبائها؛ فالإنسان قد يكون قويًا في الحق، نزيهًا، صادقًا، شجاعًا، لكنه لا يكون بالضرورة صالحًا لتدبير شؤون الناس وإدارة السلطة.
فالولاية تحتاج إلى الأمانة، لكنها تحتاج معها إلى القدرة على التدبير، وحسن التقدير، وفهم الناس، ومعرفة المصالح والمآلات. وليس كل صالح أمين صالحًا لكل منصب، كما أن القوة والكفاءة المجردة لا تغنيان عن الأمانة.
وهنا يلتقي موقف أبي ذر بموقف ابن اللتبية رضي الله عنهما في بناء رؤية نبوية متكاملة؛ ابن اللتبية يعلمنا أن المنصب لا يمنح صاحبه حقًا في الانتفاع بما يأتيه بسببه، وأبو ذر يعلمنا أن الصلاح والنزاهة وحدهما لا تكفيان لتولي المسؤولية.
فالمنصب تكليف لا مغنم، والأمانة شرط، والكفاءة شرط آخر. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
فلا أمانة بلا قدرة قد تصون الحقوق، ولا قدرة بلا أمانة قد تتحول إلى استبداد أو فساد. والمطلوب أن يجتمع فيمن يتولى شؤون الناس كفاءة تحسن تدبير المسؤولية، وأمانة تمنع صاحبها من تحويلها إلى منفعة شخصية.
ومن هنا نفهم أن حماية المال العام ليست مجرد تشديد للعقوبات أو تكثير لأجهزة الرقابة، إنها تبدأ من اختيار الإنسان المناسب للمكان المناسب، ثم من بناء مؤسسات تضع حدودًا واضحة لتعارض المصالح، وتفرض الشفافية، وتتيح المساءلة.
فالوظيفة العامة ليست ملكًا لمن يشغلها، والمنصب لا يجعل صاحبه فوق الناس، والسلطة التي مُنحت له لقضاء مصالح الجماعة لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لقضاء مصالحه الخاصة.
وحين تتحول الوظيفة إلى وسيلة للإثراء، والمنصب إلى باب للمحاباة، والنفوذ إلى طريق لقضاء المصالح الخاصة، لا يكون المتضرر هو المال العام وحده؛ بل الوطن بأسره، والمواطن الذي ينتظر خدمة عادلة، والشاب الذي يبحث عن فرصة، والفقير الذي يريد حقه، والمجتمع الذي يفقد ثقته في مؤسساته.
فالمال العام ليس مجرد أرقام في خزائن الدولة؛ إنه مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى لم يُجهز، وطريق لم يُصلح، وفرصة عمل لم تُخلق، وخدمة كان ينبغي أن تصل إلى إنسان فحُرم منها.
ومن هنا فإن العبث بالمال العام ليس اعتداءً على مال مجهول المالك، وإنما اعتداء على حقوق الناس ومستقبلهم.
ولعل أخطر ما يسرقه الفساد ليس المال وحده، بل الثقة.
حين يشعر المواطن أن القانون لا يسري على الجميع بالقدر نفسه، وأن صاحب النفوذ يستطيع أن يصل إلى ما لا يصل إليه غيره، وأن الوظيفة قد تصبح بابًا للامتيازات بدل أن تكون بابًا لخدمة الناس.
إن حماية المال العام تحتاج إلى ثلاثة حصون متكاملة: ضمير حي، ومسؤول كفء أمين، ومؤسسات تقوم على الشفافية والمساءلة.
فالقانون مهما اشتد، لا يستطيع أن يضع حارسًا على كل يد، ولا أن يراقب كل تصرف، ولا أن يدخل إلى كل مكتب وكل علاقة. أما حين تستيقظ الأمانة في الضمير، ويُسند الأمر إلى أهله، وتحيط به مؤسسات رشيدة، يصبح الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون القانون رقيبًا عليه.
وهذا هو عمق التربية النبوية؛ أن تجعل الأمانة خلقًا قبل أن تجعلها قانونًا، وأن تجعل استحضار رقابة الله في السر أقوى من الخوف من العقوبة في العلن.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد هذا الموقف النبوي ليس فقط كيف نحمي المال العام؟
بل السؤال الأعمق: كيف نبني إنسانًا إذا خلا بنفسه تذكر أن الله لا تخفى عليه خافية، وأن ما بين يديه من أمر الناس أمانة سيُسأل عنها.
