محمد عبد الرحمن بن الطالب

المقدمة:

     دائما ما يتم اجترار الكلام واحتدام الجدال عند حلول الموعد السنوي لميلاد النبي ﷺ، وما يرافقه من الردود على الأقوال وردود الأفعال، والتنابز بالألقاب، والإصدار المجاني للأحكام، والتصدي للإبداع في الاحتفال والصمت على بدع الاحتقان. ولا بأس أن يحرك هذا الحوار الموسمي الجمود العلمي للأئمة الأعلام، ويذكي الفضول المعرفي لدى العامة، ويقوي الهمة العملية والإرادة العملية لدى الأمة، لصقل السنة من الشبهات وتنقية السيرة من الالتباسات، التي تعيق الاقتداء وتعطل الاهتداء بالرسالة الخاتمة. فلا ينبغي أن يقتصر هذا النقاش على مسائل تدبير الشأن الخاص في العقيدة والسلوك، وإنما ينتصر على مأساة تبذير الشأن العام في السياسة والأحكام.

    لا جدوى في هذا التناظر الهامشي، إذا لم يفض إلى خطاب علمي وفعل عملي يلم شتات أفكار الأمة وأطرافها، وهذا يتطلب اتخاذ أحسن الوسائل الواقعية، وأفضل الأساليب الموضوعية لبلوغ أجود المقاصد الشرعية، واتباع منهاج النبوة في النقاش والاقناع؛ بتحري الحكمة العقلية مع المخالف والرحمة القلبية مع المعارض، ليتجلى لعموم الناس أن المسلمين يتناظرون باختلاف محمود ولا يتناحرون على خلاف مذموم.

     نتساءل عن دواعي استدامة هذا ”الاحتدام” السنوي كل ربيع الأول؟ ونستفسر المتمسكون بإحياء الذكرى عن الآثار المفيدة في تجديد سلوكيات الأمة؟ ونستوضح المُبدِّعون للاحتفال عن الثمار المنتظرة في تجويد معاملات الأمة؟ لنتعلم كيف نتأسى بصاحب الذكرى ﷺ في العبادة، ونعمل بسنة وسيرة المحتفى به ﷺ، لدحض مؤامرات فصل القرآن عن السنة، وإفشال مخططات التشكيك في أصح الكتب بعد كتاب الله، وفك الحصار على الدين في المرافق العمومية.

1- الاحتفال مظهر للذكرى:

    يظهر أن وجهة نظر المتناظرين تختلف من زاوية النظر، في الشكل دون الجوهر؛ فإذا سلمنا أن الجوهر الثابت هو الأسوة والقدوة النبوية الحسنة، كما قال الله تعالى:﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[1]، فإن التمسك بالصور والمظاهر مخالف للتشبث بالتصور والأصول؛ فلا يليق أن يستغل التوظيف الرسمي-الاحتفالي والاستعراضي- هذا الحدث ليظهر المحبة اللائيكية لرسول الله ﷺ بتغليفها بالطقوس الوثنية للأصنام الحسية، وعادات الجاهلية في أطلال الزوايا والأضرحة. مقابل إغفالها في مرافق الحياة العامة، فهذه الفتنة العارمة هي أم البدع، وينبغي أخذ الحيطة والحذر في إخمادها، باللجوء إلى المقاصد الشرعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في جلب المصلحة وذرء المفسدة، أو وسائل الدعوة النبوية المشروعة، فلو أفلحت محاربتها واقتلاع جذورها-مند ما يناهز خمسة عشر قرنا خلت- ما ترك السلف الصالح امتدادها إلى لليوم. وما يضر الإبداع الفردي والجماعي في تجديد المحبة الشرعية للرحمة المهداة ﷺ، والجمع بين العلم النافع في اتباع سنته والعمل الصالح في الاقتداء بسيرته، والتوافق بين صواب الإيمان وإخلاص العمل. حبذا لو تحقق الالتئام بين حراسة العقيدة من البدع وصيانة العقود السياسية من الخيانة، والعهود المجتمعية من الجحود، والائتلاف بين حقوق المصطفى المختار ﷺ وواجبات المصطفون الأخيار.

     جدوى الأفكار الناتجة عن التفكير داخل الصندوق السلفي الخالد، التي استعار فيها الخلف من السلف الزمان المنتهي والمكان المطوي، لا تفيد المعاصرين إلا بالاستئناس بالحلول دون استنساخها، فحجية الاستدلال بلازمتي: ”ما تبث عن رسول ﷺ”، و”لم يعمل به الصحابة رضوان عليهم” في العبادات والمعاملات خاصة في المولد النبوي، ليست من الأحكام الفقهية المستخرجة ولا القواعد الأصولية المستنبطة، بل للأسف تكون سدا منيعا لانتشار ”بدع القبور”، وقناة آمنة لتمرير ”بدع القصور”. كما أن ضباط العقيدة يشددون في رصد هيئات، وأشكال، وأفعال، وأقوال العبادات التي احتدم فيها الخلاف الفقهي ولم يحسم، دون التدقيق في الوسائل والأساليب المؤدية إلى تحقيق مقاصدها في أعمال وأفعال وخشوع القلب. بينما يتم التجاهل في مراقبة صيانة الحقوق العامة، وكأنها خارج سياج الأسوة الحسنة. قال تعالى:﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[2]، قال ﷺ:« فإذا نَهيتُكُم عن شيءٍ فاجتَنِبوه، وإذا أمَرتُكُم بأمرٍ فَأْتُوا مِنه ما استَطَعتُم؛ فإنَّما أهلَكَ الذينَ مِن قَبلِكُم كَثرةُ مَسائِلِهم، واختِلافُهم على أنبيائِهم»[3]. ما فصل النبي ﷺ قط، بين عبادة الله ومعاملة العباد وعمارة البلاد. لقد جعله الله تعالى” شاهدا على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة، وهي من خصائصه ﷺ، ومبشرا لأهل طاعته، ونذيرا لأهل معصيته، وداعيا إلى توحيده وعبادته، وسراجا منيرا يهتدي به للحق”[4].  

2- المعاملات آثار للعبادات:

      إن الانفصام بين الخشوع في العبادات والخشونة في المعاملات، وبين الإخلاص في الاقتداء والصواب في الاتباع، هو انفصال بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح، وبين الشأن الخاص والشأن العام، وخلط بين أوزار العادات الجارفة وأجور العبادات الجارية، وتضارب بين أداء الواجبات والمطالبة بالحقوق. هذا تشخيص للواقع المتأزم للأمة، مكشوف غير مستور، معلوم غير مجهول؛ حال آل إليه خلف المسلمين، بعد أن حاذوا عن مقام أسلافهم الذين نزل فيهم القرآن الكريم، والأمناء والعلماء والأمراء الذين حسبهم رسول الله ﷺ من أصحابه وإخوانه. المسلمون أحد الفرقين: قلة مسلمة صابرة على الابتلاء ومعتصمة بالكتاب والسنة ومستضعفة في الأرض، وكثرة مستسلمة إما أخضعتها الأهواء لصياغتها، أو صنعها استكبار الأصنام الحسية في الأرض، رغبة من المغرّبين أو رهبة من المعترضين. يا أسفاه! على الدين العبادات أصيلة منه والمعاملات منفصلة عليه. العبادة في واد عذب مشبع والعباد في أودية أُجج مشعبة.  

     لقد حذر من لا ينطق عن الهوى ﷺ أمة الدعوة من أصحابه، وأمة الاستجابة من إخوانه، من الالتفات القاصر عن منهاجه الخالد الذي زكاه الله تعالى، والالتفاف المقصود حول المناهج البائدة التي ذمها سبحانه عز وجل، في قوله: « لتتَّبعنَّ سَننَ من كانَ قبلَكم حذو القُذَّةِ بالقُذَّةِ حتَّى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتُموه. قالوا: اليَهودُ والنَّصارى؟ قالَ: فمَن»[5]. غريبا أن بَلَغْنَا اليوم درجة البحث عن المسلم وسط المسلمين- فما بالك بالمؤمن وسط المؤمنين، والمحسنين وسط المحسنين حاشا الصادقين- فذريعة ”الإيمان في القلب” شهادة ضعف لإيمان مكبل في القفص الصدري، وراكد في العضلة الصنوبرية؛ يحتاج إلى الاحتكاك في المواقع والمواقف لكي لا يشل ويعوق، إنما جعل الإيمان للتجديد لا للتجميد، كما قال ﷺ: «إنَّ الإيمانَ ليَخلَقُ في جوفِ أحدِكم كما يَخْلَقُ الثوبُ، فاسأَلوا اللهَ أن يُجدِّدَ الإيمانَ في قلوبِكم»[6]. الايمان الشخصي الجامد القابع في المساجد والمنعزل في الزوايا، يزكي به المريد نفسه عن المجتمع الخارجي الملوث في نظره البسيط، أو ينزه عمار المساجد من المسؤولين الإيمان الطاهر في تشخيص الشأن العام الماكر في سوء تقديرهم. من هنا تتسرب سوء المعاملات بين العباد، وقلة الحياء من رب العباد. بالله عليك اعقل بقلبك جوامع كلم الصادق الأمين ﷺ: «إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنعْ مَا شِئْتَ»[7]، لتتفكر بعقلك أن الحياء قيمة أخلاقية وتفاعل اجتماعي، وسلوك حضري ومرآة إيمان المرء في المجتمع. بل هو شعبة من شعب الايمان وصوة من صوى العمل.

3- السيرة ثمرة السنة:

      تمثل السنة النبوية الشريفة، المفصلة للقرآن والمنزلة للأحكام، الإطار المرجعي التأصيلي لصفات العبادات وأحكامها، وهي إرث علمي مقتضب، ضخمته الفتاوي الفقهية المرتبطة باختلاف خصوصيات الأماكن وتعدد اجتهادات الأجيال، ونوازل الفقه الافتراضي لعلماء السلاطين، والإطناب في الحواشي والمدونات لمتعصبي المذاهب. هذا الزخم “التراثي” ”باق رهن إشارتنا، باق في تجزئته وبعثرته، كنوزا مدفونة في الدفاتر، على اقفالها رموز يحلها فيستفيد منه من معه مفتاح الفقه الجامع. الفقه الذي ينظر إلى العلم المؤثل ­­من حيث موقعه في الحكم والظرف التاريخي والصراعات المذهبية وموقف أهل العلم-رضي الله عنهم- المحافظ المشفق على بيضة الأمة أن ترام، وعلى حماها أن يضام”[8]؛ ما أحوج المسلم المعاصر أن يجمع له معاصريه من أمناء الرسل وورثة الأنبياء، المغني من السنة العملية لإقامة العبادات وأداء المعاملات من السيرة العطرة، وأن يجتمعوا لتشذيب السنة العلمية من الشوائب، بل الفقه المجزئ والمبعثر بإيعاز الأحاديث المكررة إلى مناسبات ورودها، ورد الأحكام إلى أسباب سنها، ونسب الاجتهاد الفردي أو الجماعي في القضايا والفتاوي الى عصورها. فما يضرنا من تدبير تخصيص النبي ﷺ واحد من الصحابة دون غيره بحديث، فإذا فاتنا تنفيذ الحكم الشرعي لم تغب عنا حكمته.

      فكما أسند المحدثون الأحاديث إلى رواتها من الصحابة- رضوان الله عليهم- فلما لا تُسند أحكامها العملية إليهم، لنتعلم نحن إخوان النبي ﷺ اقتفاء أجر آثار حِكَمِها النبوية. قال الله في حق رسله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾[9]، فالسنة النبوية: أحكام عملية، وحِكم علمية. سنة الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، هي سنة واحدة للتدافع بين الحق المؤيد والباطل المخذول، كما قال الحق سبحانه: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[10]. لقد تحقق إنجاز وعد الله بنصر المؤمنين الصابرين مشاهدة في السيرة النبوية القبلية، وفي السيرة الراشدة البعدية، والسيرة التابعة للأمناء الأمناء. سيرة متواترة في متون أحداثها، ومتصلة أسانيد وقائعها المنتهية أحْكَامها وحِكَمها إلى صاحب السيرة العطرة ﷺ، والتي عصمها الله تعالى من الناس. وأيد جهود السائرين على الهدي النبوي في سلوكهم الفردي، ومسيرتهم الجماعية مع الأخيار والأغيار. فإذا كانت السنة وحيا نبويا وأحكاما جاهزة لاقتداء المكلفين في العبادات، فإن السيرة اجتهاد مقاصدي لاهتداء السالكين في طريق الحق، والمسؤولين في طرق إحقاق الحق.

      ما أقفل الاجتهاد الجماعي في الأحكام والمقاصد، إلا من أحْكم إغلاق الباب على الشورى في الحُكم؛ بل من أفرغ السيرة النبوية من حِكم مقاصدها الشرعية في التدبير، ولم يتهاون فقط في إمداد المحافظة على مراتبها (الضرورية، الحاجية، التحسينية) وكلياتها (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال…)، بل في إيجادها أصولها من وسط الركام العلماني، والحطام الإرهابي، والاستنساخ البشري، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الربوي. يدعونا أولوا الأمر للاعتصام بأحكام السنة وقد اغتصبوا حِكم ومقاصد السيرة، بعد أن أوهمونا أن السيرة النبوية التي ينبغي أن نقتدي بها في السلوك الفردي والسير الجماعي، مجرد أحداث سُلّت فيها السيوف في الانتصارات، ووقائع سَالَت فيها الدموع في الهزائم. وأخفت علينا وسائل الانتشار العالمي لدعوة الحق، والتي قال عنها الله عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[11]، وحجبت عنا أسباب الانتصار المؤيد للدولة العادلة، والتي أجملها سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾[12].

علمتنا السنة النبوية كيفية الصلاة وأحكامها التي لا تستقيم العبادة إلا بها كما قال: ﷺ «صَلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصلِّي»[13]، أفلا نتعلم من السيرة الشريفة طريقة الحكم التي لا تستقر الدولة إلا بها. قال الملك والعدل والحكم سبحانه: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾[14].

الخاتمة: القدوة المستدامة في الأمة

      يتجلى مقتضى كمال التأسي برسول الله ﷺ، في معرفة شمائله من سيرته الشريفة للاقتداء بها، والعصمة التي منحه الله عز وجل للاهتداء بسنته النبوية. فالعبادة لا تستقيم إلا باقتفاء آثر سنته في الأقوال والأفعال والخضوع لأحكامها الفقهية التفصيلية، كما قال الله عز وجل:﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾[15]، والمعاملات لا تستقر إلا إذا اقتبست من مقاصد سيرته في السلوك الفردي المتوازن مصداقا لقوله ﷺ:« فمَن رغب عن سنَّتي فليس منِّي»[16]، والمسؤولية الجماعية لكل راع عن رعيته كما قال رع الأمة المحمدية ﷺ: «ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ»[17]. يعد التكامل بين فقه السنة ومقاصد السيرة، من صميم الدين الحنيف، ولا يتحقق التدين السليم، كما أنزله الله تعالى ومارسه نبيه ﷺ، إلا بالعلم بالدين، والعمل بالدين، والعمل للدين:

·      العلم بالدين بإعمال للعقل: هو الصواب الموافق لأحكام السنة الصحيحة المتصل سندها برسول الله ﷺ والسليم متنها من الشبهات والتدليس، وهو خلاصة الخطاب الفقهي للاجتهاد الجماعي لأمناء الأمة وورثة النبوة من العلماء الأعلام. وحِكم السيرة المستنبطة من أحداث ووقائع عصر النبوة، والمقتبسة من مكارم أخلاق الفطرة البشرية السليمة، والتي استظل بها أمراء الأمة وأئمتها في التدبير الفعلي، وإدارة شؤون الأمة في السلم والحرب وفي اليسر والعسر. إنما يؤخذ العلم النافع، ويجدد الدين، بمجالسة العلماء لا بمجانسة من الرويبيضة.

·      العمل بالدين بإعمار القلب: هو الإرادة النابعة من النية في إخلاص الخضوع التام لله تعالى، وصدق الاقتداء بسنة وسيرة رسوله ﷺ، والاجتهاد في التدرج في تجديد مراتب الإيمان: إسلام، وإيمان، فإحسان. وهذا لا يؤتي إلا بصحبة الأخيار، وأن يغمر سكون المسجد وخشوعه الكائن المسلم لكيانه، ويستحضر مقام المراقبة الربانية في السر والعلن، وفي السراء والضراء.

·      العمل بالدين ببناء الإنسان: تبليغ الدين عن رسول الله ﷺ، قولا وفعلا، أمانة تتناقلها الأجيل، ومسؤولية أمة في كل زمان ومكان. فالمسلم سفير الإسلام أينما حل وارتحل، وأي سلوك مشين في العبادات، وأية ممارسة سيئة في المعاملات، وأية مخالفة لأحكام السنة، وأي انحراف عن مقاصد السيرة؛ فيعد خيانة لأمانة التبليغ، وإسقاط لقدوة المسلم في أعين الناس.

    وبناء عليه، فإن التأسي برسول الله ﷺ بشموليته- في الخطاب الدعوي والفعل السياسي- دين يتعبد الله به، وهو من أفعال المجاهدة لا من أقوال المجادلة. وبرهن صدقه الاقتداء بالسنة في العبادات، وحقيقته الاهتداء بالسيرة في المعاملات. إن القدوة الحسنة النبوية أكبر من أن تحتويها ذكرى طارئة، أو أن يختزلها احتفال عرضي. المقصد العام من الأسوة النبوية هو أن يبقى النبي ﷺ حيا في الوجدان الفردي، وأن يدوم وجوده في الأمة. قال شفيع الأمة ﷺ: «إنَّ اللهَ تعالى إذا أراد رحمةَ أُمَّةٍ من عبادِه قبض نبيَّها قبلَها؛ فجعله لها فرطًا وسلَفًا بين يدَيها، وإذا أراد هلَكَةَ أمَّةٍ عذَّبَها ونبيُّها حيٌّ فأهلكها وهو ينظر فأقَرَّ عينَه بهلَكَتِها حين كذّبوه وعصَوا أمرَه»[18].

الأسوة الحسنة هي القدوة التي توارثتها الأجيل، بل هي إجازة علمية وعملية انتهى سندها إلى صاحبها ﷺ عبر أصحابه وإخوانه. فالمسلم المعاصر قدوة لإخوانه في الدين ولنظرائه في الخلق. 

مراجع:
[1]- سورة الأحزاب: 21.
[2]- سورة الحشر: 07.
[3]- صحيح البخاري؛ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ (ح 7288).
[4]- عياض اليحصبي(ت544هـ)؛ “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، ج1، ص25، ط1981م، دار الفكر.
[5]- صحيح مسلم؛ كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى (ح2669).
[6]- المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 45) (5)، المعجم الكبير للطبراني (13/ 36) (84)، النهاية في غريب الحديث والأثر. وحسنه الألباني.
[7]-صحيح البخاري؛ كتاب “الأدب”، باب “إذا لم تستحي فاصنع ما شئت” حديث (6120).
[8]-عبد السلام ياسين؛ ”نظرات في الفقه والتاريخ”، ط دار البشير، مصر، ص17.[9]- سورة الشورى: 38.
[10]- سورة البقرة: 249.
[11]- سورة النحل: 125.
[12]- سورة الشورى: 38.
[13]- صحيح البخاري؛ كتاب: الأدب، اب رحمة الناس والبهائم (ح6008).
[14]- سورة المائدة: 48.
[15]- سورة النساء: 80.
[16]- صحيح البخاري؛ كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (ح5063).
[17]- صحيح مسلم؛ كتاب: الإمارة. باب فضيلة الامام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن ادخال المشقة عليهم(ح1829).
[18]- صحيح مسلم؛ كتاب الفضائل، باب اذا أراد الله تعالى رحمة امة قبض نبيها قبلها (ح2288).