سناء خلوقي
تأتي ذكرى مولد النبي ﷺ لتجدد في القلوب محبته، وتدعونا إلى استحضار سيرته وهديه، لا باعتبارهما صفحات من الماضي، وإنما باعتبارهما نورًا نهتدي به في حاضرنا. وإذا كانت محبة رسول الله ﷺ منزلة عظيمة في قلوب المؤمنين، فإن أصدق ما يدل عليها أن تتحول إلى اقتداء وسلوك، وأن يجد الإنسان في أخلاقه ﷺ ومواقفه منهجًا يهذب به نفسه ويقوم به حياته. وتزداد الحاجة إلى هذا الاقتداء حين يتعلق الأمر بالشباب، الذين يمثلون مرحلة القوة والحيوية، ويحملون من الطاقات ما يجعلهم قادرين على صناعة مستقبل مجتمعاتهم. وقد كان للشباب في السيرة النبوية حضور بارز، إذ أولى النبي ﷺ عناية خاصة بتربيتهم، وفتح أمامهم أبواب التعلم والعمل وتحمل المسؤولية، فكانوا من أبرز من حملوا راية الإسلام ونشروا رسالته.
والقارئ لسيرة رسول الله ﷺ، والمتتبع لأقواله وأفعاله ومواقفه مع الشباب، يدرك عظيم المكانة التي منحهم إياها، وما كان صحابته رضوان الله عليهم إلا شبابًا طاهرًا شامخًا، حملوا الإيمان بقوة، وأقبلوا على الحياة بعزيمة، وتحملوا من أجل دينهم ما عجز عنه كثير من الناس. ولذلك فإن استحضار مولده ﷺ يمثل فرصة للعودة إلى هذا النموذج، واستلهام الطريقة التي تعامل بها مع الشباب، وكيف استطاع أن يحول طاقتهم إلى إيمان وعمل، وأن يجعل من المحبة دافعًا إلى الاقتداء، ومن الاقتداء طريقًا إلى تهذيب السلوك.
واقع الشباب وتحديات المرحلة
يعيش الشباب اليوم في عالم سريع التحول، تتعدد فيه المؤثرات وتتداخل فيه القيم، وأصبح الشاب محاطًا بكم هائل من الرسائل والصور والنماذج التي تؤثر في نظرته إلى نفسه وإلى الحياة وإلى النجاح. ومن أبرز التحديات التي تواجهه اليوم أزمة المعنى والغاية؛ فقد تتوفر للشاب وسائل كثيرة للترفيه والتواصل، لكنه قد يفتقد في المقابل جوابًا واضحًا عن الأسئلة التي تتصل بجوهر وجوده: لماذا أعيش؟ وما الغاية من حياتي؟ وما الذي يجعل لوجودي قيمة؟ وحين يغيب الشعور بالغاية، قد يتحول الفراغ إلى قلق وحيرة وشعور بعدم الجدوى.
ويضاف إلى ذلك ما يحيط بالشباب من مغريات وشهوات أصبحت أكثر حضورًا في حياتهم اليومية، ولا سيما مع الانتشار الواسع للوسائط الرقمية وسهولة الوصول إلى مختلف أنواع المحتوى. فالشاب يعيش في بيئة تستثير رغباته باستمرار، وتقدم له نماذج من المتعة والنجاح لا تنسجم دائمًا مع القيم التي يحتاج إلى بنائها. ولا تكمن المشكلة في وجود الشهوة ذاتها، فهي جزء من الطبيعة الإنسانية، وإنما في ضعف القدرة على ضبطها حين تتضافر حول الإنسان المؤثرات التي تدفعه إلى الاستجابة لها دون وعي بعواقبها.
ومن التحديات كذلك أزمة القدوة والهوية والصحبة؛ فقد أصبح بعض الشباب يتلقون نماذجهم من عالم الشهرة ومواقع التواصل، وأصبح الانتشار والمظهر وعدد المتابعين عند بعضهم معيارًا للنجاح والقيمة. وفي ظل تراجع حضور بعض القدوات العلمية والتربوية في حياة الشباب، وضعف بعض الروابط الاجتماعية والأسرية، قد يجد الشاب نفسه أمام نماذج متعددة لا يعرف أيها يستحق الاقتداء. كما أن تأثير الصحبة لا يمكن تجاهله، إذ قد تكون البيئة التي يعيش فيها الشاب عاملًا في تشكيل أفكاره واختياراته وسلوكه.
ومن جهة أخرى، يواجه الشباب مشكلة ضياع الطاقات وضعف الإحساس بالمسؤولية؛ فمرحلة الشباب هي مرحلة قوة وقدرة على المبادرة والإبداع، لكن هذه الطاقة تحتاج إلى مجال تتجه إليه وغاية تعمل من أجلها. وحين لا يجد الشاب المجال الذي يكتشف فيه قدراته ويشعر من خلاله بقيمته، قد تتحول طاقته إلى فراغ أو استهلاك أو انشغال بما لا يعود عليه ولا على مجتمعه بالنفع. وهكذا تصبح قضية الشباب أعمق من مجرد بعض السلوكيات الظاهرة، لأنها تتصل ببناء الإنسان نفسه، وبما يحمله من قيم، وبالصورة التي يرى بها ذاته ومكانه في المجتمع.
الهدي النبوي في تهذيب سلوك الشباب
في مواجهة هذه التحديات، يقدم لنا الهدي النبوي نموذجًا متكاملًا في التعامل مع الشباب؛ نموذجًا لا يقوم على الإقصاء والتوبيخ، وإنما يجمع بين الرحمة والفهم، والحوار والتوجيه، والثقة وتحمل المسؤولية. ومن أروع المواقف التي تكشف ذلك موقف الشاب الذي جاء إلى النبي ﷺ يستأذنه في الزنا، فغضب بعض الصحابة من طلبه، غير أن النبي ﷺ لم يواجهه بالإهانة أو الطرد، بل قال له: «ادْنُهْ»، ثم حاوره بهدوء: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟»، ثم ذكر له ابنته وأخته وعمته وخالته، حتى أعاد الشاب النظر إلى الأمر من زاوية إنسانية وأخلاقية مختلفة، ثم وضع النبي ﷺ يده عليه ودعا له: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ».¹
إن هذا الموقف يكشف عمق المنهج النبوي في الحوار والاحتواء؛ فالنبي ﷺ لم يتعامل مع الشاب باعتباره مشكلة ينبغي التخلص منها، وإنما رأى فيه إنسانًا يمكن إصلاحه، فاقترب منه وفهم دوافعه وخاطب عقله وقلبه معًا. وهنا تظهر قيمة المحبة في التربية؛ فحين يشعر الشاب أن من يوجهه يحبه ويريد له الخير، يصبح أكثر استعدادًا لسماع النصيحة ومراجعة نفسه.
وفي التعامل مع الشهوة، لم يتجاهل النبي ﷺ طبيعة الشباب، وإنما خاطبهم بما يناسب واقعهم فقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».² فكان الخطاب النبوي واقعيًا؛ يعترف بطبيعة الإنسان، ثم يوجهها نحو ما يحفظه ويصون كرامته.
ولم يكتف النبي ﷺ بتهذيب السلوك الفردي، بل ربّى الشباب على الثقة وتحمل المسؤولية. ومن أبرز النماذج في ذلك أسامة بن زيد رضي الله عنهما، الذي ولاه النبي ﷺ قيادة الجيش وهو شاب، فلما اعترض بعض الناس على إمارته قال ﷺ: «إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ».³
إن الثقة التي منحها النبي ﷺ لأسامة لم تكن مجرد تكريم، وإنما كانت تربية عملية على المسؤولية، ورسالة إلى الشباب بأنهم قادرون على حمل الأمانة متى وجدوا من يثق بهم ويهيئهم لذلك. وهكذا انتقل الشباب في المدرسة النبوية من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن انتظار التوجيه إلى المشاركة في صناعة الواقع.
وتبقى الصحبة الصالحة من أهم عناصر بناء الشباب وحمايتهم، فقد قال النبي ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ».⁴ فالإنسان يتأثر بمن يصاحب، والشاب على وجه الخصوص يحتاج إلى بيئة تمنحه القدوة والتشجيع والتوجيه، وتساعده على الثبات حين يضعف، وتذكره حين يغفل.
ومن هنا يمكن فهم رؤية الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في قضية الشباب، حيث لم ينظر إليهم باعتبارهم مجرد فئة تحتاج إلى الوعظ، وإنما باعتبارهم طاقة ينبغي احتضانها وتربيتها وإعدادها. ويؤكد في المنهاج النبوي ضرورة إعداد الشباب إعدادًا جادًا ليكونوا طاقة للبناء والعطاء، يقول: «يجب أن نعدهم إعدادًا جادًا ليكونوا جند التحرير والبناء».⁵
وتتأسس هذه الرؤية على أن الشاب يحتاج أولًا إلى الاحتضان؛ إلى بيئة يشعر فيها بأنه محبوب ومقبول وله مكان، ثم إلى الصحبة والتكوين اللذين يبنيان داخله الإيمان والوعي، ثم إلى التدريب والعمل والعطاء حتى تتحول طاقته من قوة كامنة إلى فعل نافع، ويتعلم تحمل المسؤولية والمبادرة. وهكذا لا يبقى الشاب مجرد متلقٍّ للنصيحة، وإنما يصبح إنسانًا فاعلًا يحمل هم نفسه ومجتمعه وأمته. وفي هذا المعنى تتقاطع الرؤية التربوية مع جوهر المنهج النبوي الذي لم يكتف بإصلاح أخطاء الشباب، وإنما عمل على بناء شخصياتهم وإطلاق طاقاتهم في الخير.
اللهم ارزق شباب أمتنا حب نبيك محمد ﷺ حبًا صادقًا يثمر اتباعًا واقتداءً، ويهذب أخلاقهم، ويزكي نفوسهم، ويقوي عزائمهم.
اللهم احفظهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وارزقهم الصحبة الصالحة والقدوة الحسنة، واملأ قلوبهم إيمانًا ويقينًا، ونفوسهم عفة وطهرًا، وأوقاتهم عملًا نافعًا، وأعمارهم بركة وعطاءً.
اللهم اجعل شباب أمتنا قوة للخير، وحملة للحق، وأهل همة وعطاء، ووفقهم لتحمل الأمانة وخدمة دينهم ومجتمعاتهم، واجعل محبة نبيك ﷺ نورًا في قلوبهم وهديه سبيلًا لهم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
مراجع:
[1] أحمد بن حنبل، المسند، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ/2001م، مسند أبي أمامة الباهلي، حديث رقم 22265؛ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم 370.
[2] البخاري، صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب قول النبي ﷺ: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، حديث رقم 5065؛ ومسلم، صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، حديث رقم 1400.
[3] البخاري، صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ، حديث رقم 3730؛ ومسلم، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد رضي الله عنهما، حديث رقم 2426.
[4] أبو داود، السنن، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، حديث رقم 4833؛ والترمذي، السنن، كتاب الزهد، باب ما جاء في صحبة النبي ﷺ، حديث رقم 2378؛ وأحمد، المسند، حديث رقم 8398.
[5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي: تربية وتنظيمًا وزحفًا، دار إقدام للطباعة والنشر والتوزيع، إسطنبول، ط5، 2022، ص. 65.
